بينما كنت أتصفح فيديوهات قناة تلفزيون سوريا، وقعت بالمصادفة على حلقة من برنامج “ما تبقى” الذي استضاف الفنان السوري غطفان غنوم. ومنذ اللحظة الأولى، شدّتني كلمات غنوم الصادقة والعفوية، فاستحضرت أحداثاً وذكريات عميقة لثورة كانت حاضرة في قلبه، وأدركت أنني أمام حديث نادر وصادق يُعيد تعريفنا بما يعنيه أن تكون فناناً ملتزماً بحق، يقاوم النفاق والظلم بشجاعة نادرة. على النفيض من نظرائه من الفنانيين الذي بقوا خدماً على بلاط السلطان، وأخذوا على عاتقهم مهمة تلميع الديكتاتور ونظامه.
لم تكن هذه المقابلة مجرد حديث عابر، بل أشبه بتوثيق حيّ لآلام وأحلام السوريين، وتجربة غنوم المؤلمة في حي بابا عمرو في حمص، حيث واجه قسوة النظام وذاق من الظلم الذي فُرض على شعب بأكمله. في رواياته عن لحظات الثورة الأولى، عن التهميش الذي عانى منه أهل الحي، وعن مشهد التشييع المهيب للشهداء الذي قابله النظام بالتهديد والتحريض الطائفي، كانت عبارات غنوم تمثّل شهادة صادقة على قسوة ما عاشه الشعب السوري.
واستمراراً لتلك النبرة الثورية، كان غنوم جريئاً في حديثه عن الفنّ وواقعه في سوريا، وتحديداً منذ بداية حكم بشار الأسد، حيث استدرج النظام العديد من الفنانين والمثقفين إلى فخ “الحرية المزيفة”. أشار غنوم إلى تجاربه المسرحية، وكيف أغرته تلك الادعاءات بالحرية في بدايات الأسد الابن، لكنه لم يتأخر في اكتشاف أنها مجرد حيلة لإسكات أصوات الفن الحقيقي. بعد مشاركته الجريئة على منبر مسرحي، تلقى تحذيراً من قوات الأمن، ليتيقن أن “شفافية النظام” كانت قناعاً رديئاً لسياسة القمع وتكميم الأفواه.
ما ميّز هذا اللقاء أيضًا هو حديث غنوم عن مشاريعه الفنية، وخاصة عن دوره في مسلسل “ابتسم أيها الجنرال” الذي لاقى رواجاً وانتقادات قبل عرضه. لم يكن خائفاً من مواجهة الاتهامات، بل دعا من انتقدوه للاعتذار بعد أن تكشفت أهداف العمل الحقيقية. كان هذا المسلسل، كما أوضح، فرصة له ليعود إلى الجمهور برسالة فنية تنسجم مع قناعاته، بعيداً عن أيّ محاولات تسويقية تخدم النظام.
الحلقة بثت في 1 – 9 -2024
من هو “غطفان غنوم”؟
غطفان غنوم هو ممثل ومخرج سينمائي سوري ولد عام 1976 بحي بابا عمرو في حمص، وعاش متنقلاً بين مدينته والعاصمة السورية دمشق.
تخرج غنوم عام 2006 من الأكاديمية الفنية الحكومية في جمهورية مولدافيا الشعبية عن قسم الإخراج السينمائي، وهو من أبرز أعضاء النقابة السينمائية ونقابة الصحفيين في فنلندا.
ناصر غطفان غنوم الثورة السورية منذ اندلاعها وأنجز فيلماً وثائقياً عن مدينة القصير سماه “بورتريه مدينة ثائرة”، ثم غادر سوريا متجها إلى فنلندا عام 2014.
شارك غنوم في العدد من الأعمال السينمائية والأفلام الوثائقية والمسرح، ومن أبرز أعماله: “قمر في سكايب، بوردينغ، بورتريه مدينة ثائرة”، كما شارك في عدد من الأعمال التلفزيونية ومن أهمها: “الولادة من الخاصرة وابتسم أيها الجنرال”.
