في رواية “المرأة التي لا تشبه اسمها” الصادرة عام 2026 عن شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، للكاتبة الجزائرية وئام شرماطي، لا نقف أمام حكاية جريمة عادية، ولا أمام قاتلة يمكن اختصارها في كلمة واحدة. نحن أمام شخصية مربكة اسمها “ملك”، لكنها لا تشبه اسمها إلا من بعيد، أو ربما تشبهه بطريقة سوداء وقاسية؛ فالملاك، كما تلمّح الرواية، قد يكون شيطانًا مؤجلاً، أو شيطانًا كان في يوم من الأيام كائنًا قابلاً للنجاة.

منذ البداية تضع الرواية قارئها أمام سؤال صادم: ماذا لو لم تكن الأمومة حبًا فطريًا دائمًا؟ ماذا لو جاءت الطفلة إلى العالم لا كفرح، بل كمرآة لفشل الأم، ولعنة العائلة، وخوف المجتمع من المختلف؟ “ملك” لا تكره ابنتها فقط لأنها تحمل وحمة على وجهها، ولا لأنها مختلفة، بل لأنها ترى في تلك الطفلة مستقبلًا طويلًا من العذاب. هنا تبدأ المنطقة الأخطر في الرواية: القاتلة لا ترى نفسها قاتلة، بل منقذة. لا ترى الجريمة شرًا صافيًا، بل خلاصًا مبكرًا من حياة أكثر قسوة.

هذه هي قوة الرواية الأساسية: إنها لا تقدم الشر بوصفه انفجارًا مفاجئًا، بل بوصفه نتيجة تراكمات طويلة. “ملك” لم تولد في فراغ، بل في عائلة قاسية، داخل بيئة لا ترحم الضعف، ولا تغفر الاختلاف، ولا تتعامل مع الطفولة بوصفها براءة تستحق الحماية. لذلك تبدو الشخصية الرئيسية كأنها تحمل العنف الذي تعرضت له، ثم تعيد إنتاجه بصيغة أخرى. كانت ضحية، لكنها لم تبقَ ضحية. تحولت إلى جلاد، ولكنها جلاد يملك منطقه الخاص، وهذا ما يجعلها أكثر رعبًا وتعقيدًا.

الشر في الرواية ليس مجرد رغبة في الإيذاء. إنه فكرة. عقيدة صغيرة تنمو في رأس امرأة محطّمة. “ملك” تقتل لأنها تعتقد أن الحياة نفسها عقوبة. تقتل من تظن أنهم لن يحتملوا ما ينتظرهم. كأنها تقول: بدل أن يقتلكم المجتمع ببطء، أقتلكم أنا دفعة واحدة. هنا يصبح القتل رحمة مريضة، وتصبح النجاة موتًا، وتصبح الأمومة شكلاً من أشكال الإلغاء.

ومن أجمل ما يمكن التوقف عنده في الرواية لعبة الأسماء. “ملك” لا تشبه الملائكة، و”حياة” لا تحصل على حقها في الحياة. الاسم هنا ليس زينة لغوية، بل مفارقة جارحة. كل شخصية تبدو محكومة باسم لا تستطيع حمله، أو قدر لا تستطيع الهرب منه. كأن الرواية تقول إن الإنسان أحيانًا يولد باسم جميل، لكنه يُدفع دفعًا إلى عكسه تمامًا.

الرواية أيضًا تفتح سؤالًا أخلاقيًا صعبًا: هل يمكن فهم القاتل من دون تبرئته؟ هل يمكن الإصغاء إلى منطقه الداخلي من دون الوقوع في فخ التعاطف الكامل معه؟ “ملك” شخصية لا يمكن الدفاع عنها، لكنها في الوقت نفسه لا يمكن تجاهل أسبابها. وهذا النوع من الشخصيات هو الأكثر خصوبة روائيًا، لأنها تجعل القارئ في حالة اضطراب دائم. نحن ندينها، لكننا نرى الجرح الذي صنعها. نرفض فعلها، لكننا نفهم الطريق الطويل الذي قادها إليه.

في “المرأة التي لا تشبه اسمها”، لا يبدو الشر طارئًا على العالم، بل كأنه جزء من نسيجه. العائلة قاسية، المجتمع قاسٍ، النظرة إلى الجسد المختلف قاسية، وحتى الحب لا يأتي نقيًا بما يكفي لينقذ أحدًا. لذلك لا تكتب وئام شرماطي رواية عن قاتلة فقط، بل عن البيئة التي تجعل القتل قابلًا للتبرير داخل عقل مريض ومكسور.

هذه الرواية لا تمنح القارئ راحة سهلة. لا تقول له من هو الشرير ومن هو البريء بوضوح كامل. بل تضعه أمام سؤال أكثر إيلامًا: كم يحتاج الإنسان من القسوة حتى يصبح قاسيًا؟ وكم يحتاج من الخذلان حتى يظن أن الموت أرحم من الحياة؟

“ملك” ليست المرأة التي لا تشبه اسمها فحسب. إنها المرأة التي تشبه جرحها. تشبه طفولتها المكسورة. تشبه خوفها من العالم. وتشبه، في النهاية، ذلك النوع من الشر الذي لا يولد من الظلام وحده، بل من اعتقاد مرعب بأنه يفعل الخير.

على مستوى الأسلوب، تبدو رواية “المرأة التي لا تشبه اسمها” مشغولة ببناء مناخ نفسي خانق أكثر من انشغالها بسرد الجريمة بوصفها حدثًا بوليسيًا. اللغة تميل إلى الحدة والتوتر، وتتحرك بين الاعتراف الداخلي والوصف القاسي، بما يجعل القارئ قريبًا من عقل “ملك” لا من أفعالها فقط. لا تعتمد الرواية على الزخرفة اللغوية الثقيلة، بل على جمل مباشرة، موجعة، ومشحونة بدلالات نفسية، كأن السرد نفسه يخرج من مكان مضطرب داخل الشخصية. وهذا ما يمنح النص قوته: أن الأسلوب لا يجمّل الشر، ولا يخفف قسوته، بل يتركه عاريًا أمام القارئ، محاطًا بأسئلة عن الطفولة، الأمومة، الجسد، النبذ، والرغبة المريضة في الخلاص. لذلك تبدو اللغة في الرواية جزءًا من بنية الشخصية؛ متوترة حين تتوتر، باردة حين تقرر، وقاسية حين يتحول الألم إلى فعل.

أضف تعليق