في رواية حاجز لكفن، لا يظهر الحاجز بوصفه مكانًا أمنيًا فقط، ولا بوصفه نقطة تفتيش تابعة لسلطة نظام الأسد فحسب، بل يتحول إلى استعارة كبرى لكل ما يعترض الإنسان في طريقه إلى الحرية. هو حاجز واقعي داخل الرواية، نعم؛ حاجز عسكري قادر على إيقاف السيارات، تفتيش الأجساد، العبث بالحقائب، صناعة الخوف، وفتح الطريق نحو الاعتقال. لكنه في العمق أكثر من ذلك بكثير: إنه حاجز رمزي، حاجز نفسي، حاجز اجتماعي، حاجز سياسي، وحاجز موضوع أمام الحرية، وخصوصًا أمام حرية النساء.

تنجح واحة الراهب في جعل الحاجز مركز الرواية ومعناها في الوقت نفسه. فالحاجز ليس تفصيلًا عابرًا في الطريق، بل هو العتبة التي ينكشف عندها كل شيء. عنده تتعرّى السلطة من أي ادعاء، ويتحوّل العابر إلى متّهم، والمرأة إلى جسد مراقَب، والخوف إلى هوية. هناك، على تلك النقطة الصغيرة من الأرض، يبدو الوطن كله مختصرًا في بندقية، ونظرة، وأمرٍ عسكري، ويدٍ تمتدّ إلى خصوصيات الناس كأنها تملك الحق في مصادرة أرواحهم.

لكن الرواية لا تكتفي بالحاجز الأمني بمعناه المباشر. فهي تلمّح، بذكاء، إلى أن الحواجز الأخطر ليست دائمًا تلك التي تُنصب على الطرقات. هناك حواجز أخرى لا تُرى، لكنها أكثر قسوة واستمرارًا: حاجز العادات، حاجز الخوف، حاجز العيب، حاجز الجسد، حاجز السلطة الذكورية، حاجز الأسرة، حاجز المجتمع، وحاجز النظرة التي تسبق الحكم. ولهذا تبدو الرواية كأنها تقول إن المرأة لا تعبر حاجزًا واحدًا، بل تمضي في حياة كاملة مصممة كسلسلة من الحواجز.

من هنا تأتي أهمية القراءة النسوية للرواية. فرغم الطابع السياسي الواضح للعمل، ورغم حضور الاعتقال والنظام الأمني بوصفهما جزءًا أساسيًا من بنية السرد، إلا أن الهمّ النسائي لا يغيب عن الرواية. ليس كموضوع جانبي أو زينة فكرية، بل كجوهر داخلي ملازم للحدث. فالمرأة في “حاجز لكفن” لا تواجه سلطة الدولة فقط، بل تواجه أيضًا سلطة المجتمع الذي يطاردها حتى وهي ضحية. وإذا كان الحاجز الأمني يفتش حقيبتها وجسدها، فإن الحاجز الاجتماعي يفتش سمعتها، نيتها، ماضيها، وخياراتها.

بهذا المعنى، يصبح الحاجز تورية شديدة الدلالة. ظاهريًا، هو حاجز النظام. أما باطنيًا، فهو كل حاجز وُضع في وجه الحرية. وكلما تقدمت الرواية، يتسع معنى الحاجز ليخرج من حدوده الجغرافية الضيقة. لم يعد مكانًا على الطريق، بل صار بنية كاملة. صار طريقة في إدارة الناس. طريقة في إخافتهم. طريقة في تذكيرهم بأنهم ليسوا أحرارًا، وأن عبورهم مشروط دائمًا بموافقة سلطة ما.

والمرأة هي أكثر من يدفع ثمن هذا المعنى. فحريتها مشروطة دائمًا: مشروطة برأي الرجل، برأي العائلة، برأي المجتمع، برأي السلطة، وبالخوف من الفضيحة. لذلك لا يبدو الحاجز في الرواية مجرد أداة قمع سياسي، بل صورة مكثفة عن واقع النساء حين تصبح الحياة كلها نقاط تفتيش. المرأة مطالبة دائمًا بإثبات براءتها: من جسدها، من رغبتها، من حريتها، من صوتها، ومن حقها في أن تختار.

الرواية تقول، بطريقة غير مباشرة، إن الاستبداد لا يعيش في أجهزة الأمن وحدها. الاستبداد يتكاثر حين يجد مجتمعًا يشبهه في داخله. فالدولة التي توقف المرأة على الحاجز وتخيفها، ليست بعيدة كثيرًا عن المجتمع الذي يوقفها عند عتبة البيت ويسألها: إلى أين؟ ومع من؟ ولماذا؟ وما الذي سيقوله الناس؟ الفرق بين الحاجزين أن الأول يحمل سلاحًا علنيًا، أما الثاني فيحمل سلاحًا أكثر نعومة وخطورة: العار.

لذلك تبدو “حاجز لكفن” رواية عن العبور المستحيل. العبور من الخوف إلى الأمان، من الصمت إلى الكلام، من القيد إلى الحرية. لكنها في الوقت نفسه تكشف أن الطريق إلى الحرية لا يمر عبر إسقاط الحاجز الأمني فقط، بل عبر تفكيك الحواجز الصغيرة والكبيرة التي تسكن اللغة والعائلة والعقل والعلاقات الاجتماعية.

ولعل قوة العنوان تكمن هنا تحديدًا. حاجز لكفن ليس عنوانًا سياسيًا فقط. إنه عنوان وجودي. الحاجز قد يقود إلى الموت، إلى الاعتقال، إلى الاختفاء، لكنه قد يقود أيضًا إلى كفن رمزي: كفن الحرية، كفن الصوت، كفن الكرامة، وكفن النساء اللواتي يُطلب منهن أن يعشن كامل حياتهن داخل حدود مرسومة مسبقًا.

في هذه الرواية، الحاجز ليس على الطريق وحده. الحاجز في الذاكرة، في الجسد، في البيت، في المجتمع، وفي الخوف المتوارث. وهذا ما يجعل العمل يتجاوز حكايته السياسية المباشرة ليصبح نصًا عن الحرية الممنوعة، وعن النساء اللواتي يحاولن العبور في عالم لا يكف عن نصب الحواجز في وجوههن.

أضف تعليق