منذ الصفحات الأولى من (العاوون)، ينجح إسلام أبو شكير في أن يسحب القارئ إلى عالم يبدو غرائبياً للوهلة الأولى، لكنه سرعان ما يكشف أنه أكثر التصاقًا بواقعنا مما نظن. هذا هو سحر الرواية الحقيقي: أنها لا تستعير العجائبي لتبتعد عن الحياة، بل تستخدمه لتعرّيها. طفل يولد بجناحين، فكرة كافية في ظاهرها لتأخذ النص نحو الفانتازيا، لكن أبو شكير يحوّلها إلى مرآة جارحة للإنسان والمجتمع، وإلى سؤال مؤلم عن الحرية، والخوف، والعنف الذي يمارَس باسم التربية والعادة والخوف على “المصلحة”.

سحر (العاوون) لا يكمن فقط في فكرتها الطازجة، بل في تلك القدرة النادرة على جعل الرمز حيًّا، نابضًا، ومقنعًا إلى درجة أن القارئ لا يتعامل مع الجناحين بوصفهما تفصيلاً غرائبياً، بل بوصفهما جزءًا من الحقيقة نفسها. هنا لا يقرأ المرء حكاية طفل مختلف وحسب، بل يشعر أنه يقرأ شيئًا يخصّه شخصيًا، شيئًا عن أحلامه القديمة، عن صوته الذي خفت، عن أجنحته التي ربما لم تُقصّ دفعة واحدة، بل تآكلت بهدوء تحت ضغط العالم.

ثمّة خفّة سردية واضحة في الرواية، لكن تحت هذه الخفة تختبئ قسوة كبيرة. وهذا تحديدًا ما يمنح النص سحره الخاص: أن يمرّ عليك كحكاية سلسة، ثم يترك في داخلك أثرًا أثقل من حجمه. يكتب أبو شكير بلغة لا تستعرض قوتها، لكنها تعرف كيف تتسلل إلى الجرح، وكيف تجعل القارئ يرى في هذا الطفل الطائر صورة الإنسان حين يولد حرًّا أكثر مما يسمح به المجتمع. وهنا تتحول الرواية من متعة قراءة إلى تجربة تأملية موجعة، ومن حكاية صغيرة إلى استعارة واسعة عن المصير الإنساني في عالم لا يطمئن إلا لما هو مطيع، مألوف، ومقصوص الجناحين.

في روايته (العاوون)، لا يقدّم إسلام أبو شكير حكاية طفل وُلد بجناحين فحسب، بل يقدّم، في الحقيقة، سيرةً رمزيةً لكائن بشري وُلد زائد الحرية، أو لنقل: وُلد على نحوٍ لا تحتمله مجتمعاتنا التي ترتبك أمام كل اختلاف، ثم تسارع إلى قصّه، تشذيبه، تأديبه، وتخليصه من “المشكلة” التي فيه، قبل أن يصدّق هو نفسه أن هذه المشكلة كانت فيه فعلًا.

منذ الفكرة الأولى تبدو الرواية غرائبية: طفل يأتي إلى العالم بجناحين. لكن هذا الغرائبي عند أبو شكير ليس هروبًا من الواقع، بل طريقة ذكية لمهاجمته من زاوية أشدّ فضحًا. فالواقع حين يُروى كما هو، قد يعتاده القارئ، وقد يسلّم ببشاعته على أنها “طبيعية”. أما حين يُعاد تشكيله في صورة طفل يملك جناحين، فإن القبح الاجتماعي يظهر عاريًا: عاريًا من المبررات، عاريًا من البلاغة الأخلاقية، عاريًا من تلك الأقنعة التي نلبسها عادةً لنسمي الخوف حكمة، والقمع تربية، والطاعة احترامًا، والخرس نضجًا.

هنا تكمن قوة الرواية الأولى:
أنها لا تسألنا عن الطفل الطائر، بل تسألنا عن المجتمع الذي يفزع من الطيران.

الأجنحة ليست زائدة عن الجسد… بل المجتمع هو الزائد عن الفطرة

العنصر الرمزي الأوضح في الرواية هو الأجنحة. وهذا واضح منذ البداية، لكن المهم ليس فقط أن نقول إن الأجنحة ترمز إلى الحرية؛ فهذه قراءة أولى وصحيحة، لكنها وحدها لا تكفي. الأجنحة في الرواية ليست مجرد رمز فضفاض للحرية بمعناها العام، بل هي رمز لشيء أكثر حرجًا وإزعاجًا: الحرية بوصفها جزءًا عضويًا من الإنسان، لا منحة خارجية، ولا شعارًا سياسيًا، ولا درسًا في كتب التربية الوطنية.

الطفل لا يشعر أن جناحيه عاهة، ولا يرى فيهما فضيحة، ولا يتعامل معهما كشيء غريب. هما ببساطة جزء منه. المشكلة كلها تبدأ حين يقترب المجتمع من هذا “الجزء الطبيعي” ويتعامل معه كما لو أنه اختلال ينبغي إصلاحه. وهنا ينقلب المشهد كله: يصبح الطبيعي شاذًا، وتصبح الفطرة خللًا، ويصبح التقييد هو الوضع السليم الذي يجب العودة إليه.

ولعل من أجمل ما ورد في النص ذلك المقطع الذي يقول فيه الصغير، أو يعي فيه، أن جناحيه ليسا مرضًا ولا عيبًا، بل حقًا بسيطًا كالمشي أو الطعام أو الشراب. هذه الفكرة وحدها تكفي لبناء أطروحة الرواية كلها:
إن الإنسان يولد حاملًا إمكاناته، لكن المجتمع يتدخل لاحقًا ليقنعه بأن إمكاناته خطر عليه.

وهذا بالضبط ما يحدث في مجتمعاتنا الشرقية المحافظة، حيث لا تُقمع الحرية لأنها شرّ، بل لأنها مزعجة، ولأنها تربك نظامًا متماسكًا من الطاعة، والخوف، والتشابه، وإعادة الإنتاج. المجتمع لا يحب المختلف، ليس لأنه يؤذيه، بل لأنه يفضحه. وجود شخص قادر على الطيران في مدينة تعلّمت أن تمشي مطأطئة الرأس ليس مجرد استثناء؛ إنه إهانة رمزية للجميع.

ولهذا يبدو سؤال الرواية العميق كالتالي:
لماذا يغضب الناس من الذي يطير، بدل أن يغضبوا من الأرض التي كبّلتهم؟

في إحدى القراءات المنشورة عن الرواية، وُصفت الأجنحة بأنها البؤرة الرمزية التي تدور حولها الأحداث والمشاعر كلها، لأنها تجسد الحرية التي يسعى المجتمع إلى انتزاعها عبر الخوف والتنميط والرقابة الذاتية. وهذه ملاحظة دقيقة، لكن يمكن دفعها خطوة أبعد: المجتمع في “العاوون” لا يكتفي بانتزاع الحرية، بل يريد إقناع الإنسان بأن الحرية لم تكن له أصلًا.

القمع لا يبدأ بالمقص… بل بالنصيحة

من أكثر ما يلفت في الرواية أن القمع فيها لا يبدأ دائمًا عنيفًا ومباشرًا. ليس ثمة جلاد رسمي يقف من الصفحة الأولى ليعلن برنامجه التأديبي. بل يبدأ كل شيء، كما في الحياة تمامًا، بالقلق، بالنصيحة، بالخوف عليك، وبجملة تشبه: “نحن نريد مصلحتك فقط”.

الأب والأم هنا ليسا وحشين، بل وهذا هو الرعب الحقيقي، كائنان عاديان جدًا، يحبان ابنهما، يخافان عليه، يريدان “أن يحموه”. لكن الحب حين يمر عبر الخوف الاجتماعي يتحول بسهولة إلى أداة قمع ناعمة. ليس لأن الأب والأم شريران، بل لأنهما أبناء مجتمعٍ سبق أن قصّ أجنحتهما، ثم أقنعهما أن هذا هو الشكل الصحيح للنجاة.

هكذا يتحول الحب إلى وصاية، والحرص إلى رقابة، والنصيحة إلى سور، والتربية إلى بروفة مبكرة على الانكسار.
هذه هي واحدة من أكثر الأفكار إيلامًا في الرواية:
أن أول من يشارك في وأد الفرد ليس دائمًا العدو، بل قد يكون الأقرب إليه.

والأشد مرارة أن ذلك يحدث أحيانًا باسم الحنان. فالعائلة لا تقول للصغير: “نحن نريد قتلك”، بل تقول له، بصيغ مختلفة: “السماء خطيرة”، “البشر يمشون على الأرض”، “ابقَ قريبًا”، “لا تلفت الأنظار”، “لا تكن أحمق”، “لا تجرّب”. والجملة الأخيرة بالذات هي أكثر الجمل دموية في مجتمعاتنا، لأنها لا تبدو دموية أبدًا.

في هذا المعنى، لا يصبح الأب والأم مجرد شخصيتين في الرواية، بل يتحولان إلى مجاز كبير عن المجتمع حين يدخل البيت. أو حين يصير البيت نفسه الفرع الأكثر لطفًا للمجتمع.

أبو محارب: الضحية التي صارت موظفًا عند الجرح

إذا كانت الأجنحة هي الرمز الأوضح في الرواية، فإن أبو محارب هو الشخصية الأكثر تعقيدًا وثراءً دلاليًا. هو ليس مجرد شرطي متقاعد يدخل النص ليحرّك الحدث، بل هو عقدة رمزية كاملة، وربما يكون أهم ابتكار في الرواية من حيث البعد الإنساني والفلسفي.

أبو محارب في ظاهره رجل شارك في مطاردة الطفل، وأسهم في خنق رغبته بالطيران، وعلّم أهله كيف يستدرجونه، وكيف يحدّون من اندفاعه. أي إنه، في القراءة السطحية، جزء من المنظومة القامعة. لكنه في العمق ليس الجلاد الصافي، بل جلاد جريح، أو بالأدق: ضحية سابقة أُعيد تدويرها داخل ماكينة القمع.

هنا تلمس الرواية واحدة من أوجع حقائق الاجتماع البشري:
أن الأنظمة القمعية لا تعيش فقط بجلاديها الأصليين، بل تعيش أكثر بضحاياها السابقين حين يتحولون إلى حرّاس على نفس السجن.

أبو محارب نفسه رجل قُصّت أجنحته في الطفولة. لكنه لا يخرج من التجربة بوصفه ثائرًا كاملًا، بل بوصفه كائنًا مثقوبًا، يحمل أثر القطع في الجسد واللغة معًا. لقد تعلّم درسًا مرعبًا: أن النجاة ليست في التمرّد، بل في التكيّف. ومن شدة فداحة هذا الدرس، صار قادرًا على تمريره لغيره، وكأنه يقدم لهم خدمة.

في واحدة من أقوى الدلالات في النص، لا يقول أبو محارب إن أكثر ما آلمه هو فقدان الأجنحة، بل فقدان القدرة على الصراخ، على التعبير، على الرفض. هذه التفصيلة بالذات ترفع الشخصية من مجرد رمز سياسي إلى رمز وجودي أوسع. فالإنسان لا يُهزم فقط حين يُمنع من التحليق، بل يُهزم أكثر حين يُمنع من الاعتراض على منعه من التحليق.

ولهذا تبدو الندبة في ظهر أبي محارب، كما وصفت إحدى القراءات، شبيهة بـ”ألسنة مقطوعة”. وهذا وصف بليغ جدًا، لأنه ينقلنا من الجسد إلى الكلام: الجرح هنا ليس في الظهر فقط، بل في اللغة، في الصوت، في الحق في قول “لا”.

أما اختفاؤه وتحوله إلى رماد في النهاية، فهو من أكثر المشاهد رمزية في الرواية. يمكن قراءته بأكثر من مستوى:

أولًا، بوصفه دلالة على أن الإنسان الذي عاش نصف عمره في مطاردة حرية الآخرين، بينما هو فاقد حريته، ينتهي إلى نوع من التبخر الداخلي؛ كأن شخصيته لم تعد قادرة على التماسك.

ثانيًا، بوصفه أثرًا لمصير كل من يتحول إلى وسيط بين القمع وضحاياه: لا يعود يملك جوهره الخاص، بل يغدو بقايا احتراق طويل.

ثالثًا، وهو الأهم، أن أبا محارب ليس فردًا فقط، بل مرحلة، مرحلة يتحول فيها الكائن من مكسور إلى كاسر، من ضحية إلى موظف عند الجرح، من صاحب ندبة إلى خبير في توزيع الندوب.

هنا تبرع الرواية في السخرية المرة: فالمجتمع الذي قصّ جناحي أبي محارب قدّمه لاحقًا خبيرًا في شؤون الأجنحة. وكأن السلطة، بعد أن دمّرت إنسانًا، منحته شهادة اعتماد ليعلّم الآخرين كيف يتعايشون مع الخراب.

الأب والأم: الحب المذعور الذي يشارك في الجريمة

في روايات كثيرة، من السهل على الكاتب أن يصنع شريرًا واضحًا، أبًا قاسيًا أو أمًا متسلطة، ثم يطلب من القارئ أن يدينهما. لكن أبو شكير لا يفعل ذلك. وهذه نقطة قوته. هو يضعنا أمام أبوين عاديين، وربما لهذا السبب بالذات يصيران أكثر إقلاقًا.

الأب والأم لا يريدان قتل طفلهما، لكنهما يريدان “إصلاحه”. ولا يريدان إلغاءه، لكنهما يريدان تقليصه إلى نسخة قابلة للعيش اجتماعيًا. وبذلك تغدو العائلة صورة مكبرة عن الآلية الاجتماعية كلها:
لا نرفضك لأننا نكرهك، بل لأننا نخاف عليك من نفسك.
ولا نقصّ جناحيك لأننا أشرار، بل لأن العالم لا يرحم.
ولا نمنعك من أن تكون أنت، بل لأنك إن كنت أنت حقًا، فلن نعرف نحن كيف نعيش معك.

هذه هي المفارقة الأكثر إيلامًا: القمع في الرواية لا يأتي من خارج الدفء العائلي، بل من داخله.
وفي هذا المعنى، يتحول الأب والأم إلى رمزيات كبرى عن المجتمع، لا لأنهـما يرددان أفكاره فقط، بل لأنهما يتجسدان كحاملين أخلاقيين له، إنهما يروّجان للقمع بوصفه عطفًا. وهذا أخطر أشكال القمع كلها، لأنه لا يترك للضحية حتى رفاهية الغضب الواضح.

ولهذا يمكن القول إن الرواية لا تهاجم العائلة بوصفها مؤسسة، بل تكشف كيف يمكن لمؤسسة من المفترض أن تكون ملجأً للذات أن تتحول إلى أول ورشة منظّمة لترويضها.

من القصّ إلى التلاشي: حين يتعلم الإنسان أن يمارس الرقابة على نفسه

ربما تكون الفكرة الأعنف في الرواية كلها ليست في قص الأجنحة، بل في اختفائها لاحقًا. هذه اللحظة ليست تفصيلًا دراميًا، ولا مجرد ذروة حزينة، بل هي الإعلان الفلسفي الأكثر قسوة في النص.

قصّ الأجنحة فعل خارجي واضح، يمكن تسميته وإدانته ورؤيته. أما اختفاؤها، فهو شيء آخر تمامًا:
هو أن ينجح المجتمع إلى درجة أن يغدو المقص داخليًا.
هو أن تتحول السلطة من يدٍ خارجية إلى صوت داخلي.
هو أن يستبطن الإنسان الخوف إلى الحد الذي يصبح فيه قمع نفسه بنفسه.

إحدى القراءات عن الرواية لامست هذا المعنى حين أشارت إلى أن الحرية قد لا تُسلب بالعنف المباشر فقط، بل قد “تذوب الأجنحة وحدها” تحت وطأة الخوف المتكرر والاعتياد والتقزيم المستمر. وهذا بالضبط ما يجعل “العاوون” نصًا يتجاوز الحكاية إلى التشريح النفسي العميق.

فالمجتمعات القمعية لا تنتصر حين تمنعك بالقوة من أن تكون نفسك، بل تنتصر فعلًا حين تقنعك أن تكون نفسك أمر خطير، غير أخلاقي، أو عديم الجدوى. عندها لا تعود بحاجة إلى السكين. يكفيك الإحراج، والذنب، والمراقبة، و”ماذا سيقول الناس”، و”من أين أتيت بهذه الأفكار”، و”كن طبيعيًا”، و”لا تتفلسف”، و”لا تميّز نفسك عن الآخرين”.

باختصار:
الرواية تقول إن أخطر انتصار للمجتمع على الفرد ليس قصَّ أجنحته، بل جعله يعتقد أن الأجنحة عبء.

العواء: من صرخة الحرية إلى ضوضاء المجتمع

عنوان الرواية وحده يفتح بابًا نقديًا واسعًا. فـ”العاوون” ليس عنوانًا زينيًا أو غرائبيًا لشدّ الانتباه، بل كلمة مركزية تحمل اشتباك الرواية كله. العواء في ظاهره صوت منفلت، خشن، خارج عن اللياقة. وهو لهذا السبب بالذات ملائم تمامًا لفكرة النص. لأن كل تعبير حر في مجتمعات منضبطة بالقمع يُستقبل عادة بوصفه ضوضاء، فوضى، خروجًا عن السرب، أو حتى انحطاطًا.

لكن الرواية تلعب على المفارقة بذكاء. فمن الذي يعوي فعلًا؟
هل الطفل لأنه يرفض القفص؟
أم المجتمع لأنه لا يحتمل رؤية المختلف؟
أم الجميع لأنهم فقدوا اللغة الإنسانية السليمة للتفاهم، فلم يبق إلا الصراخ؟

في قراءة نقدية أخرى للرواية، يظهر هذا البعد بوضوح، إذ يُشار إلى أن صوت الحرية نفسه قد يصبح “عواءً” في زمن انقلبت فيه المفاهيم، وصار فيه كل صوت مخالف قابلًا للتشويه والشيطنة. وهذه ملاحظة بالغة الأهمية، لأنها تجعل العنوان ليس وصفًا لحدث، بل حكمًا على زمن كامل.

وإذا أردنا أن نقرأ العنوان ساخرًا، كما تتيح الرواية نفسها، يمكن القول إن المجتمع الذي يربّي الناس على السكوت، ثم يفزع حين يصرخ أحدهم، يشبه تمامًا ذلك الشخص الذي يضع قدمه على عنق إنسان ثم يشتكي من الأصوات المزعجة الصادرة عنه.

العواء إذن ليس خروجًا على الإنسانية، بل قد يكون ما تبقى من الإنسانية حين تفشل اللغة المهذبة.

السخرية في الرواية: حين يضحك النص من كارثة يعتبرها الجميع تربية سليمة

واحدة من خصائص إسلام أبو شكير الأسلوبية أنه لا يكتب المأساة بكامل ثقلها الخطابي، بل يترك فيها دائمًا مساحة من السخرية، أو بالأحرى من الكوميديا السوداء. وهذه السخرية ليست زينة أسلوبية، بل أداة كشف. لأن الواقع الذي تصفه الرواية، لو قُدّم بكل جديته المباشرة، لربما انزلق إلى الوعظ. أما حين يُعرَض عبر مفارقات حادة، فإن بشاعته تتضاعف.

هناك شيء مضحك حدّ الفجيعة في فكرة أن مجتمعًا كاملًا يستنفر بسبب طفل يملك جناحين. شيء مضحك في أن يصبح الطيران مشكلة أمنية أو تربوية أو أخلاقية. شيء مضحك في أن تُعقد الجلسات، وتُبذل الخبرات، وتُستدعى الحكمة الشعبية، وتُنفض تقاليد الأجداد، لا لنسأل: كيف نساعد هذا الطفل أن يكون نفسه؟ بل لنسأل: كيف نعيده إلى الأرض بأقل خسائر اجتماعية ممكنة؟

هذه السخرية المرة هي ما يجعل الرواية تتجاوز الحكاية الفردية إلى نقد بنية كاملة من التفكير العربي المحافظ، الذي يرى في التشابه فضيلة، وفي الطاعة نضجًا، وفي الامتثال حسن تربية، وفي كل خروج بسيط على النمط تهديدًا يستدعي التأديب.

وكأن الرواية تهمس لنا، بخبث مؤلم:
يا له من مجتمع متعب… لا يستطيع تحمّل طفل بجناحين، ثم يتساءل بعد ذلك لماذا لا يملك أحد شجاعة الطيران.

البعد السياسي والاجتماعي: الرواية عن الطفل… لكنها ليست عن الطفولة فقط

مع أن بؤرة الرواية تقوم على طفل، ومع أن عالمها يبدو في جانب منه قريبًا من الطفولة ومخاوفها وخيالاتها، إلا أن “العاوون” ليست رواية عن الأطفال بمعناها الضيق. إنها رواية عن كيفية صناعة المواطن المطيع.
الطفل هنا ليس إلا البداية الأولى للمشروع الاجتماعي الكبير: كيف يُعاد تشكيل الإنسان منذ لحظة هشاشته الأولى، كيف يُخاف، كيف يُهذّب، كيف يُقلم، وكيف يُقنع أن نجاته الوحيدة في أن يكون أقلّ مما يستطيع أن يكون.

في هذا المعنى، تصبح الرواية صالحة لقراءة أوسع:

  • في التربية
  • في السلطة
  • في العلاقة بين الدولة والفرد
  • في إنتاج الطاعة
  • في تشكيل الرقابة الذاتية
  • في قمع الاختلاف الجنسي أو الفكري أو الوجودي أو الإبداعي

كل قارئ يستطيع أن يضع “جناحيه” الخاصين مكان جناحي هذا الطفل:
قد تكون موهبة، أو رأيًا، أو ميولًا، أو خيالًا، أو مشروعًا، أو رغبة في العيش بطريقة مختلفة.
وسيجد سريعًا أن المقصات نفسها موجودة في كل مكان، وإن اختلفت الأسماء.

ولهذا تنجح الرواية لأنها لا تعطي جوابًا نهائيًا، بل تترك أسئلة كثيرة مفتوحة. وقد التقطت إحدى المواد النقدية هذا الأمر حين أشارت إلى أن النص يطرح أسئلة من نوع: أيّة أجنحة هذه التي تتربص بها المقصات والمباضع والسكاكين والبنادق؟ ومن هؤلاء الذين يعوون في الخلفية؟ ثم يترك القارئ أمام حرية التأويل. وهذا خيار ذكي، لأن الرواية هنا لا تقدم بيانًا سياسيًا، بل تصنع مساحة قلق وتأمل.

لغة الرواية: السلاسة التي تخفي قسوة الفكرة

من الجوانب الجديرة بالتوقف أيضًا لغة الرواية. فهي ليست متورمة، ولا غارقة في البلاغة الاستعراضية، ولا منسحبة إلى الغموض المتفلسف. بل تميل إلى لغة سلسة ومكثفة، قادرة على حمل العجائبي دون أن تفرغه من أثره. وهذا مهم جدًا، لأن النصوص التي تعتمد الرمز كثيرًا ما تقع في فخ الترميز الثقيل، لكن أبو شكير يتجنب ذلك غالبًا عبر بناء حكائي واضح وحركة سردية سهلة المتابعة.

هذه السهولة ليست ضعفًا، بل إحدى أدوات النص؛ لأنها تجعل الفكرة تمرّ من دون خطب، وتتيح للرمز أن يعمل من داخل الحكاية، لا من فوقها. ومع ذلك، يمكن القول إن الرواية لا تطلب من قارئها جهدًا لغويًا بقدر ما تطلب منه شجاعة تأويلية. أي إن عمقها ليس في تعقيد عباراتها، بل في قدرتها على فتح الجرح الرمزي على أكثر من مستوى.

ما الذي تقوله «العاوون» في النهاية؟

في ظاهر الأمر، تقول الرواية إن المجتمع يقمع الحرية. لكن هذا تلخيص عام جدًا.
أما في العمق، فهي تقول شيئًا أكثر إيلامًا وتعقيدًا:

إن المجتمع لا يكتفي بقمع الحرية، بل يعيد تعريفها بوصفها خطرًا.
ولا يكتفي بخنق المختلف، بل يُشرك أقرب الناس إليه في عملية خنقه.
ولا يكتفي بجرح الضحايا، بل يحوّل بعضهم إلى خبراء في جرح غيرهم.
ولا يكتفي بإسكات الصوت، بل يجعل الصمت فضيلة.
ولا يكتفي بقصّ الأجنحة، بل ينتظر حتى يختفي أثرها، كي يعلن ببراءة باردة أن الإنسان وُلد هكذا أصلًا.

وهنا تبلغ الرواية ذروتها الفلسفية:
الحرية لا تُهزم فقط حين تُمنع، بل تُهزم حقًا حين تُنسى.

خاتمة

“العاوون” ليست مجرد نوفيلا عن طفل مختلف وبيئة لا تتقبله. إنها نصّ رمزي حادّ عن الفرد حين يولد مزودًا بإمكاناته، ثم يدخل إلى عالم مهووس بتقليمه، وخفضه، وتطويعه، وإعادته إلى المقاس الجماعي المناسب. الأجنحة فيها ليست مجرد استعارة جميلة، بل اختبار أخلاقي لمجتمع كامل. وأبو محارب ليس شخصية عابرة، بل سجلّ جروح حيّ يمشي على قدمين. والأب والأم ليسا شخصيتين منزليتين فقط، بل صورتان من صور الخوف الاجتماعي حين يلبس ثياب الحنان.

إنها رواية تقول لنا، بوجع ساخر وخيال موجع، إن الناس الذين ينظرون إلى الأعلى قليلون جدًا، لا لأن السماء اختفت، بل لأنهم اعتادوا أن يعيشوا ورؤوسهم إلى الأسفل، يبحثون عن فتات النجاة، ويقنعون أنفسهم أن الطيران ليس إلا تهورًا غير مسؤول. وهذه، في الحقيقة، ليست مأساة الطفل وحده. إنها مأساة مجتمع كامل، مجتمع يخاف من الحرية إلى درجة أنه يسمّيها عواءً.

أضف تعليق