رواية “في الطريق إلى السويد” للكاتبة الفلسطينية السورية خولة بدر ليست مجرد سردية رحلة لجوء أو قصة معاناة مهاجرة فلسطينية تعبر الحدود وصولاً إلى الأمان الأوروبي، بل هي نص مفعم بالتناقضات، حيث يتم تقديم صورة مشوهة عن الربيع العربي والحرب في سوريا.
الرواية، التي تبدو على السطح كمحاولة لتوثيق رحلة شخصية فلسطينية في خضم الحرب، تثير الكثير من التساؤلات حول الرسائل الخفية التي تحملها وما تغفل عن ذكره بشكل متعمد.
“الربيع العربي… أو كما تسميه (ما يسمى الربيع العربي)”
منذ بداية الرواية، تظهر محاولة الكاتبة لتوجيه القارئ نحو رواية محددة للأحداث. فالكاتبة لا تتحدث عن الربيع العربي باعتباره صرخة شعوب مظلومة من أجل الحرية والكرامة، بل تسميه بعبارة ملفتة “ما يسمى الربيع العربي”. هذه العبارة لا تمر مرور الكرام، فهي تحمل دلالة واضحة على موقفها من تلك التحركات الشعبية، حيث يتم تصويرها كحدث مشكوك في أمره، وكأنه لم يكن إلا فوضى عابرة. تتجاهل الرواية تمامًا النبض الشعبي في سوريا، وكأن الصرخات التي علت في شوارع المدن السورية كانت في عالم موازٍ لا علاقة له بالواقع الذي تعيشه الشخصيات.
“الحرب والإرهابيون… ولكن أين النظام؟“
الرواية تتحدث بإسهاب عن الحرب في سوريا وعن الإرهابيين والجماعات المتطرفة كداعش، لكنها تتجنب بعناية أي ذكر للنظام السوري أو ممارساته الوحشية. في حين أن البراميل المتفجرة، والصواريخ، والكيماوي، كانت حقائق يومية عاشها السوريون، لا تجد لهذه الفظائع مكانًا في الرواية. ما يحدث في سوريا يتم تصويره ببساطة كـ”حرب”، دون أي محاولة لتفصيل أسبابها أو الجهة المسؤولة عن مآسي المدنيين. يبدو أن الرواية تلتزم بخطاب محدد يخدم فكرة أن المشكلة تكمن فقط في “الإرهابيين”، متجاهلة تمامًا دور النظام في إشعال هذه الحرب ومعاناة الشعب.
“فلسطينية بلا هوية… ولكن أين معاناتها في سوريا؟“
الشخصية البطلة في الرواية فلسطينية لاجئة عاشت في سوريا، ورغم أن الرواية لا تفصح بشكل واضح إن كانت تروي قصة الكاتبة نفسها، إلا أن هناك شعورًا بأن القصة تتقاطع مع تجربة شخصية لها. اللاجئة الفلسطينية عانت من عدم وجود هوية بسبب الاحتلال الإسرائيلي، وهذا طبيعي ومفهوم. لكن، ما يثير التساؤل هو أنها تتجاهل تمامًا الحديث عن معاناتها في سوريا تحت القصف، والبراميل المتفجرة، واستخدام النظام للأسلحة الكيميائية. إن تجاهل هذه الحقائق المؤلمة لا يجعل الرواية غير مكتملة فحسب، بل يظهر وكأنها تهدف إلى تصوير ما يحدث في سوريا كحرب عامة لا مسؤولية للنظام فيها.
“السرد البسيط والموتور“
على مستوى السرد، نجد أن الرواية تقدم نصًا متشنجًا ومتوترًا، وكأن الكاتبة كانت في عجلة من أمرها لإنهاء العمل. تفتقد الرواية إلى العمق والتأمل الذي يمكن أن يُضفي قوة على سردية اللاجئين ومعاناتهم. وعلى مستوى اللغة، نجدها بسيطة، وأحيانًا أكثر من اللازم، إلى حد السطحية. البساطة في اللغة ليست مشكلة بحد ذاتها (وهو أسلوب أحبه عادةً)، لكنها في هذه الحالة تؤدي إلى سطحيّة في تقديم الأفكار والمواقف.
“تناقضات واضحة: بين تركيا وأوروبا“
أحد أكثر النقاط الملفتة في الرواية هو التناقض في وصف البلدان التي مرّت بها الشخصية خلال رحلتها. عند حديثها عن تركيا، نلاحظ وصفًا سلبيًا للجيش التركي والتعامل في البلاد، بينما تأخذ الرواية منحى آخر تمامًا عندما تتحدث عن السويد واليونان وفرنسا. فجأة، يتحول السرد إلى تغزّل واضح بالسويد والسويديين، وباليونانيين والفرنسيين. هذا التناقض يطرح سؤالًا حول الرسالة التي تريد الكاتبة إيصالها. لماذا يتم تصوير تركيا بهذا الشكل السلبي، في حين يتم تلميع صورة الدول الأوروبية؟ يبدو وكأن الرواية تريد أن تؤكد على تفضيل واضح لهذه الدول الغربية، مما يثير التساؤل حول أهداف هذا التوجه.
“نقد بلا شجاعة”
ليس من المطلوب من أي كاتب أن يتحدث عن فظائع النظام السوري بشكل مباشر، ولكن أن تشير الرواية إلى ما يحدث في سوريا كحرب دون ذكر أي مسؤولية للنظام، وأن تروج لفكرة “ما يسمى الربيع العربي”، فهذا يضع العمل في موقف دفاعي أكثر من كونه توثيقيًا. رواية خولة بدر لا تقدم سوى نسخة مخففة من الأحداث، تتجنب بوضوح نقاط الصراع الحقيقية وتختار التركيز على جوانب سطحية.
“في النهاية: بيع الوهم الأدبي“
في الطريق إلى السويد ليست مجرد رواية لجوء، بل هي محاولة لبيع رواية معينة للأحداث، حيث يتم تلميع الغرب وتجاهل الحقائق المؤلمة في سوريا. الرواية تقدم سردية مغايرة عن تلك التي عرفها الكثيرون ممن عاشوا الحرب السورية، وتختار بشكل متعمد أن تروي قصة مبتورة عن الربيع العربي، الثورة السورية، والنظام الذي لا يُذكر أبدًا.
“عدم ذكر النظام… رسالة بحد ذاتها“
في الأدب، يُعتبر ذكر أو عدم ذكر شيء ما جزءًا من الرسائل التي يريد الكاتب توجيهها. وفي رواية “في الطريق إلى السويد”، يبدو أن غياب أي ذكر للنظام السوري ليس صدفة، بل هو رسالة بحد ذاتها. فالكاتبة تركز على “الحرب” و”الإرهابيين”، لكن تجاهلها التام لدور النظام السوري في تدمير المدن وقتل المدنيين يُعطي انطباعًا وكأنها تتعمد تغييب هذه الحقيقة. إن عدم ذكر النظام في رواية تتحدث عن معاناة اللاجئين وحروب المنطقة يعني تجاهل أحد أهم الأطراف الفاعلة في الكارثة السورية. هذا الغياب لا يمر مرور الكرام، بل يثير التساؤلات حول ما إذا كانت الكاتبة اختارت توجيه روايتها بعيدًا عن الواقع الكامل، وعن مسؤولية النظام الواضحة في المأساة التي يمر بها السوريون، وكأن الصمت عن ذكره يحمل دلالات ومواقف مقصودة.
رواية في الطريقة إلى السويد
تأليف الكاتبة الفلسطينية السورية خولة بدر
صادرة عن دار سامح
عدد الصفحات: ١١١
