وبينما كنّا منهمكين في الحديث، رفعت ابنة أختي "تيا" – ذات الست سنوات – يدها فجأة. كانت ملامحها متعبة قليلاً، وصوتها جادًا أكثر مما نتوقع من طفلة في هذا العمر. قالت بصوت حازم وبلهجة نصف رجاء، نصف أمر: "لو سمحتوا... احكوا بصوت واطي... بدي أشغّل التلفزيون براسي."
سوريا أولًا: لا يهم دينك… ما دام دمك سوريًا
في بلد مزّقته الحرب، وتشظّت فيه الهويات، بات من المعتاد أن يُسأل القتيل عن طائفته قبل أن يُسأل عن اسمه. أصبحت الطائفة معيارًا للانتماء، والدين أداة فرز لا علاقة لها بالإيمان أو الروح، بل بالاصطفاف والخوف والتحالف.
بين زحامين: القلوب المكسورة تعود مرفوعة الجبين! والكارهون يختنقون
بزحام مؤلم خرج السوريون ذات يوم من بلادهم. كان الزحام يومها غبارًا من الخوف، وصفوفًا من الخسارة، وحقائب تجرّ خيباتها على أرصفة الحدود. لم يكن ذلك الزحام احتفالًا، بل كان طابورًا منكس الرأس يسير نحو المجهول، مطاردًا بالبراميل والغازات السامة والتقارير الأمنية والوجع. كان زحام الهاربين من الموت لا الباحثين عن الحياة. واليوم، بعد أكثر من عقد على الخروج الكبير، مشاهد العودة بدأت. مشاهد لعائلات تنزل من الحافلات، لأطفال يركضون على تراب الوطن لأول مرة، لرجال ونساء يعودون بخطى لا يعلوها الخوف، بل يحملها الحنين. لكن المدهش – أو الصادم – أن بعض الأصوات انزعجت من هذا الزحام الجديد. نعم، هناك من تغيظه عودة السوري إلى وطنه، كما تغذّى من قبل على تهجيره.
حيّ الدهشة: الرواية التي تنتصر للمرأة بالدهشة والبوح
لقد كسرت مها حسن في هذه الرواية خطاب الاستعطاف المكرّس عن الأنثى العربية، ورفضت أن تجعل القارئ يشفِق على البطلة. بل جعلته يقف أمامها، يُحاورها، يراها نِدًا، ويتأمل تعقيداتها كما يتأمل نفسه. إنها بطلة لا تنتظر الإنقاذ، بل ربما – على غرار نساء نوال السعداوي أو غادة السمان – تُنقذ النص نفسه من رتابة الذكورة السائدة فيه.
عطر النخبة!
في مستقبل بعيد، لم تعد السلطة تُقاس بالمال أو المظهر أو حتى الصوت. الرائحة وحدها كانت جواز مرور إلى كل شيء. منذ الثورة الكيميائية الثالثة، أصبح البشر يُصنَّفون حسب "عبقهم الداخلي"، رائحة متناهية الدقة تفرزها أجسادهم، لا يمكن تزويرها أو إخفاؤها... أو هكذا قيل.
خالو شو يعني سوريا؟
رنّ هاتفي، وظهر اسم "سام". ابن أختي الذي لم يتجاوز الثامنة، المقيم في السويد منذ ولادته، والمتكلم بالعربية بلكنة لذيذة تتداخل فيها مخارج الحروف السويدية، كان على الطرف الآخر من المكالمة. لم يكن يريد شيئًا محددًا. أراد فقط أن يراني. الأطفال يفعلون ذلك حين يشعرون بالحنين، حتى لو لم يعرفوا أن ما يشعرون به اسمه حنين.
