في سوريا ما بعد سقوط نظام الأسد، لم يكن التغيير محصورًا في الشعارات أو الدساتير أو أسماء الوزارات. التغيير الحقيقي كان في التفاصيل الصغيرة التي لم نكن ننتبه لها سابقًا، لأنها ببساطة لم تكن موجودة. أحد هذه التفاصيل – وربما أكثرها دلالة – هو أن نرى وزيرًا، مسؤولًا رفيعًا في الدولة، يسير بين الناس، يصافحهم، يستمع إليهم، يتجاوب معهم على وسائل التواصل، يردّ على طلباتهم… بل ويخلع بدلته الرسمية ليكون معهم في الميدان، لا فوقهم.

قد يبدو هذا مألوفًا في دول مثل ألمانيا أو السويد أو سويسرا، لكنه في سوريا حدث أقرب إلى الصدمة الإيجابية. فبعد 54 سنة من حكم الأسدين، اعتاد السوري على رؤية الوزراء ككائنات خرافية تظهر فقط على شاشة الأخبار الرسمية، لتلقي خطابات تمجيدية للأسد، أو لافتتاح مشاريع لم يرها أحد من قبل أو بعد. لم يكن الوزير في عرف السوريين موظفًا في خدمة الناس، بل حاجزًا بينهم وبين الحقيقة.

لكن ما حصل مؤخرًا في حرائق جبال الساحل، وتحديدًا في محافظة اللاذقية، كسر هذا العرف بالكامل.

في الأيام الأولى من تموز، اندلعت حرائق هائلة في غابات الساحل السوري، قضت على آلاف الهكتارات من الأشجار والمزارع، وهددت البيوت والقرى المجاورة. الدفاع المدني استنفر كل طاقاته، والأهالي من كل المحافظات شاركوا في إطفاء النار بقلوبهم قبل أيديهم. ولكن الحدث الأبرز لم يكن في ألسنة اللهب، بل في من كان يقف على مقربة منها: وزير الطوارئ والكوارث، رائد الصالح.

رائد الصالح، الذي عرفه السوريون سابقًا كقائدٍ للخوذ البيضاء، لم يختفِ خلف مكتب ولا اكتفى ببيان صحفي. بل ظهر، كما عرفه السوريون في سنوات الحرب، على الأرض، في قلب الأزمة. خلع بدلته الرسمية، ارتدى سترة إطفاء، وقف بين رجال الدفاع المدني، يتابع ويوجّه ويشارك.

لم يكن هذا مشهدًا تمثيليًا ولا صورة دعائية. كان فعلًا حقيقيًا، يعكس نمطًا جديدًا في الحكم: الوزير خادم للمجتمع، لا ساندا للسلطة.

هذا التصرّف لم يمرّ مرور الكرام. على وسائل التواصل، كتب السوريون بانفعال:

“نحن نشهد مشهدًا لم نكن نحلم به حتى في أفلام الخيال: وزير يعمل!”
“هذا الوزير لا يحتاج إلى دعاية، يكفي أن نراه في النيران لنعرف أن المرحلة تغيرت.”
“رائد الصالح ليس مجرد اسم، إنه رائد فعلاً… وصالح.”

المفارقة أن هذا النوع من الأداء، الذي يبدو مذهلًا في السياق السوري، هو أمر طبيعي تمامًا في أغلب دول العالم. عندما تندلع أزمة في فرنسا أو النمسا أو كندا، ينزل المسؤولون إلى الشارع، يجيبون الصحفيين، يواجهون الناس، ويستمعون. في سوريا الأسد، كان أقصى تفاعل بين الشعب والوزير هو صورة جافة في جريدة الحزب.

اليوم، حين يتحرك الوزير نحو الناس لا العكس، تبدأ شرارة الثقة. وحين يعمل لا يصرّح فقط، تتشكل ملامح حكومة تشبه مواطنيها، لا تسحقهم تحت شعاراتها.

حرائق الساحل ستُطفأ، لكن ما فعله رائد الصالح سيبقى أثرًا طويلًا في الذاكرة السورية. ليس لأنه أنقذ غابة – بل لأنه أنقذ صورة المسؤول من التشويه التاريخي. لقد أعاد تعريف معنى “المسؤولية” لدى شعب لم ير من مسؤوليه سوى البذخ، والخوف، والصمت.

ربما لا تزال الطريق طويلة. وربما ستأتي انتكاسات. لكن هذه اللحظة، بكل ما تحمله من رمزية، تقول شيئًا واضحًا: في سوريا الجديدة، الوزير ليس ظلّاً للأسد… بل وجهًا للشعب.

أضف تعليق