في مجموعته القصصية «أحجار اللعب»، لا يكتب عدي الزعبي عن المنفى بوصفه مكاناً جغرافياً فقط، ولا عن السوريين في أوروبا بوصفهم ناجين وصلوا أخيراً إلى ضفة آمنة. هو يكتب عن تلك المنطقة الرمادية بين النجاة والخسارة، بين الوصول وعدم الوصول، بين أن يخرج الإنسان من الحرب، وأن تخرج الحرب منه.

المجموعة، الصادرة عن دار ممدوح عدوان، تضم ثماني قصص تتناول حياة السوريين في أوروبا. لكن أهمية العمل لا تأتي من موضوعه وحده، فثيمة المنفى السوري كُتبت كثيراً، بل من الطريقة التي يقترب بها الزعبي من شخصياته: بلا خطابية زائدة، بلا بكائيات جاهزة، وبلا محاولة تحويل اللاجئ إلى أيقونة مثالية أو ضحية من زجاج. هنا نحن أمام بشر عاديين، متعبين، مرتبكين، يحملون معهم بلادهم مثل ندبة لا تُرى دائماً، لكنها تؤلم عند كل حركة.

ما يلفت في «أحجار اللعب» أن المنفى لا يظهر كخلاص. أوروبا في هذه القصص ليست الجنة المقابلة للجحيم السوري، بل مساحة أخرى للاختبار. الشخصيات خرجت من مكان مدمّر، لكنها لم تدخل بالضرورة إلى حياة مكتملة. هناك انتظار، اكتئاب، طلاق، وحدة، رغبة في إعادة بناء الذات، وعجز دائم عن ترتيب الذاكرة. كأن السوري، حتى حين ينجو بجسده، يبقى مطالباً بأن يثبت كل يوم أنه ما زال قادراً على الحياة.

العنوان نفسه يفتح باباً واسعاً للتأويل: أحجار اللعب. الحجر يوحي بالصلابة والثقل والجمود، واللعب يوحي بالحركة والقواعد والاحتمالات. بين الكلمتين تقف الشخصيات: صلبة لأنها عاشت ما لا يُحتمل، وهشة لأنها تتحرك على رقعة لا تملك قوانينها. السوريون هنا ليسوا أبطالاً خارقين، بل أحجارٌ دُفعت إلى لعبة أكبر منهم: حرب، منفى، ذاكرة، لغة جديدة، علاقات مكسورة، وبلدان تتعامل معهم أحياناً كملفات لا كحيوات.

قيمة المجموعة أنها لا تصرخ. وهذا ليس ضعفاً، بل خيار جمالي. الزعبي لا يلاحق القارئ بالمأساة، بل يضعه أمام التفاصيل الصغيرة التي تكشف المأساة بهدوء: يوم عادي، رسالة، مقابلة، ذكرى، علاقة تتفكك، ابتسامة لا تعني الفرح، أو لون لا يلائم الحرب. في هذه التفاصيل يصبح الخراب أكثر إقناعاً من أي خطاب كبير.

اللافت أيضاً تنوع الأشكال السردية داخل المجموعة. فهناك يوميات ورسائل ومقابلات وسرد تقليدي، وهذا التنوع ليس زينة تقنية، بل يبدو جزءاً من معنى العمل. فالمنفى نفسه لا يُروى بصوت واحد. كل شخصية تحاول أن تجد الشكل المناسب لحكايتها: من يكتب كأنه يوثق، من يحكي كأنه يعترف، من يتذكر كأنه يقاوم النسيان، ومن يصمت لأن الكلام نفسه لم يعد كافياً.

في «أحجار اللعب» لا يحاكم عدي الزعبي شخصياته. لا يقول لها ماذا كان يجب أن تفعل، ولا يوزع عليها شهادات بطولة أو خذلان. وهذا مهم جداً في الأدب السوري اليوم. لأننا تعبنا من النصوص التي تريد أن تثبت موقفها قبل أن تكتب شخصياتها. هنا الموقف موجود، لكنه غير معلّق على الجدار. موجود في اختيار الانحياز للإنسان، في التقاط الوجع اليومي، وفي رفض اختزال السوري بصورة واحدة.

وربما لهذا تبدو المجموعة ابنة لحظة سورية شديدة الحساسية. هي كُتبت من زمن ما قبل النهاية السياسية الكبيرة، من زمن الانتظار الطويل، حين كان السوري في المنفى يعيش بين ذاكرة الخراب واحتمال العودة المؤجلة. لذلك لا يمكن قراءتها فقط كمجموعة عن اللاجئين، بل كوثيقة شعورية عن جيل كامل عاش خارج بلده، لكنه لم يستطع أن يصبح خارج حكايته.

ما يمنح «أحجار اللعب» قيمة إضافية أنها كُتبت قبل سقوط الأسد، أي قبل أن تدخل الحكاية السورية منعطفها السياسي الجديد. لذلك تبدو القصص خارجة من زمن الانتظار الثقيل، من تلك المرحلة التي كان فيها السوري يعيش بين ذاكرة بلد مدمّر واحتمال خلاص لا يعرف إن كان سيأتي. هذا مهم في قراءة المجموعة، لأنها لا تكتب من موقع الخاتمة أو الانتصار أو إعادة ترتيب المعنى بعد النهاية، بل من قلب المأزق نفسه. من داخل العتمة، لا من خارجها.

يعتمد عدي الزعبي في هذه المجموعة على لغة بسيطة، هادئة، ومباشرة، لكنها ليست لغة عادية أو فقيرة. إنها أقرب إلى السهل الممتنع؛ كتابة لا تستعرض عضلاتها، ولا تختبئ خلف البلاغة الثقيلة، لكنها في الوقت نفسه تعرف تماماً كيف تصل. بساطة التعبير هنا ليست تنازلاً فنياً، بل اختيار واعٍ يجعل القارئ قريباً من الشخصيات، ومن ألمها، ومن أسئلتها اليومية. كأن النص يقول ما يريد دون صراخ، ويترك أثره دون أن يطلب التصفيق.

ومن أبرز نقاط قوة المجموعة قدرة عدي الزعبي على إخراج مشاعر شخصياته بطريقة حقيقية، بعيدة عن البهرجة أو المبالغة أو استدرار العاطفة. شخصياته لا تبكي كي نبكي معها، ولا تتكلم كأنها تلقي خطاباً عن المنفى والحرب والخذلان. هي تشعر كما يشعر الناس في الحياة: بتردد، بانكسار مكتوم، بصمت طويل، وبجمل صغيرة تحمل أكثر مما تقول. وهنا تظهر حساسية الكاتب، في أنه يثق بالمشهد وبالتفصيل وبالصوت الداخلي، ولا يحتاج إلى تضخيم الألم كي يجعله مؤثراً.

ليست «أحجار اللعب» عملاً عن الحرب مباشرة، بل عن آثار الحرب حين تتحول إلى تفاصيل يومية. عن الخراب حين يغادر نشرات الأخبار ويدخل العلاقات العاطفية، النوم، اللغة، تربية الأطفال، معنى البيت، ونظرة الإنسان إلى نفسه. وهذا برأيي هو أحد أصعب أنواع الكتابة: أن تكتب عن الكارثة بعد أن تنطفئ أصوات الانفجارات، حين يصبح الصمت نفسه دليلاً على حجم ما حدث.

قد لا تمنح المجموعة قارئها نهايات مريحة، ولا إجابات جاهزة عن معنى المنفى أو معنى النجاة. لكنها تمنحه شيئاً أهم: فرصة لرؤية السوري لا كعنوان سياسي، ولا كرقم في إحصائية، ولا كصورة عابرة في تقرير إخباري، بل كإنسان يحاول أن يلمّ شظاياه في بلد لا يعرفه تماماً، وبذاكرة لا تتركه تماماً.

في النهاية، «أحجار اللعب» ليست مجرد قصص عن السوريين في أوروبا. إنها كتابة عن الإنسان حين يصبح معلقاً بين مكانين: واحد خرج منه ولم يخرج منه، وآخر وصل إليه ولم يصل إليه. كتابة عن الذين نجوا، لكنهم لم ينتهوا من دفع ثمن النجاة. وعن بلادٍ، حتى حين تغيب عن الجغرافيا، تبقى حاضرة في أبسط تفصيل من تفاصيل الحياة.

وهنا تكمن قوة المجموعة: أنها لا تتعامل مع المنفى كحكاية سفر، بل كجرح طويل. ولا تتعامل مع السوريين كضحايا جاهزين للشفقة، بل كبشر كاملين، متعبين، متناقضين، وقادرين رغم كل شيء على تحويل الحجارة الثقيلة إلى مادة للحكاية.

أضف تعليق