في زمن تتكاثر فيه الروايات المتشابهة وتبهت معها الحدود بين الأدب والتوثيق، تأتي رواية “الطاهي الذي التهم قلبه” للكاتب الفلسطيني محمد جبعيتي كعمل روائي يرفض الحياد، ويصنع من الفقد شخصية محورية تمشي بين الصفحات وتبثّ ألمها كأنها على قيد الحياة.
ليست الرواية مجرّد سيرة عن شاب فلسطيني فقد عينه وحاستي الشم والتذوق، بل هي بحث دؤوب في المعنى الحقيقي للنكبة حين تمتدّ من الأرض إلى الحواس. جمال، بطل الرواية، ليس صورة استثنائية، بل هو ما يمكن أن يصبح عليه كل فلسطيني حين تُسلب الحواس واحدة تلو الأخرى، لا بفعل القدر، بل بفعل مُصمَّم ومُمَنهَج اسمه الاحتلال.
الطهي كأداة مقاومة
ما يميّز الرواية أنها لا تتعامل مع الطبخ بوصفه خلفية رومانسية أو حرفة تراثية فقط، بل تنقله إلى مساحة رمزية تنطوي على تحدٍّ وجودي. الطهي في الرواية ليس لتذوّق الطعام فحسب، بل هو لاستعادة معنى؛ لاسترجاع صوت الجدّة وهي تقصّ حكايات يافا، لاستدعاء الأم التي هربت، للحفاظ على نكهة كانت يومًا ما “رائحة وطن”.
وعندما يفقد جمال حواس الطهي، لا نفقد نحن كقراء القدرة على تذوق تلك النكهات. بل على العكس، تزداد كثافتها. فغياب الشم والذوق يتحوّل إلى مشهدٍ درامي داخلي عن انقطاع الفلسطيني عن نفسه، عن ذاكرته، عن أدوات الحب والاحتفال التي تم اختزالها في مائدة لا تصل.
شخصية لا تحتمل التبسيط
جمال ليس بطلًا نمطيًا، ولا ضحية جاهزة، بل شخصية مشروخة، متقلبة، تحاول التشبث بالضوء في نفق مظلم. تعامله الرواية بكثير من الرحمة والقسوة معًا، كما لو أن الكاتب يعاقبه على الحلم، ثم يحتضنه بعد السقوط.
في مشهديته الداخلية، نرى شخصية ترتطم بجدار الواقع مرات عدة دون أن تنكسر بالكامل. هو لا يبحث عن النصر، بل عن مساحة للتنفّس، عن حقّه في أن يكون شخصًا عاديًا يحب ويطبخ ويحزن دون أن يُسحق.
فلسطين الحقيقية بلا مؤثرات بصرية
ربما الأجمل في هذه الرواية أنها لا تُجمّل فلسطين، ولا تحوّلها إلى صخرة أسطورية أو أيقونة فولكلورية. المخيم هنا ليس صامدًا فقط، بل هو خانق. رام الله ليست ملجأ، بل سجن بلون جديد. الذاكرة ليست فقط حنينًا، بل عبء ثقيل.
جبعيتي يرفض تسليع الفاجعة. لا بطولات جاهزة، لا “شهداء مثاليون”، لا صور مطبوعة على الجدران. هناك بشر بأجساد مرهقة، بأعصاب مشدودة، بأمل هشّ لا يكفي لإنارة طريق. الرواية، بهذا الشكل، تنتمي إلى خط الواقعية الفلسطينية التي لا تبحث عن بطولة، بل عن لحظة صدق.
كتابة متقشفة وعميقة
اللغة في الرواية ليست مزركشة ولا مثقلة بالزخارف. يكتب جبعيتي ببساطة مدروسة، بتقشف يحاكي حياة المخيم، لكنه لا يخلو من لمسات شاعرية تنفذ إلى القلب دون استئذان. في بعض المقاطع، يتخلى عن السرد الخالص لصالح التأمل، وفي ذلك يتجلى عمق التجربة لا فقط عمق القصة.
لماذا هذه الرواية مهمة الآن؟
لأنها لا تتحدث عن غزة فقط، ولا الضفة فقط، بل تتحدث عن الإنسان الفلسطيني الذي صار “فردًا منسيًا” في روايات الجغرافيا والسياسة. في زمن تتسارع فيه صور المجازر وتختنق فيه المساحة للتأمل، تأتي هذه الرواية لتقول إن ما يموت ليس فقط الجسد، بل الذائقة، والشمّ، واللغة، والذكريات، والرغبة في الحياة.
“الطاهي الذي التهم قلبه” ليست رواية عن الطبخ، بل عن بلد يُسلب من أبنائه حتى القدرة على تذوق أنفسهم. إنها ليست فقط عن الاحتلال الإسرائيلي، بل عن الاحتلال الداخلي للقلق واليأس، عن الفلسطيني الذي كلما نهض ليحلم، قيل له: عد إلى الصف.
رواية تستحق أن تُقرأ لا لأنها تسرد “قضية”، بل لأنها تُعيد تعريف الكارثة من وجهة نظر فردية، وتمنح الألم لغةً لها نكهة.
ختاما
قرأتُ “الطاهي الذي التهم قلبه” بعين سوريّة، وقلب يعرف جيّدًا معنى أن يُسحق الحلم تحت أقدام الاحتلال أو الاستبداد، أو كليهما معًا. وجدتُ في جمال ابن مخيم الأمعري شيئًا من أولاد درعا، وحمص، والغوطة، ممن كانوا يحلمون ببيت فيه شرفة تطل على الحياة، لا على الخراب.
الرواية لم تكن بالنسبة لي فقط سردًا عن فلسطين، بل عن كل من وُلد في وطنٍ تحوّل فيه فقدان الحواس إلى وسيلة للبقاء. رأيتُ في فقدان التذوق ما يشبه فقداننا كرمى للنجاة، وفي العمى الذي أصاب جمال شيئًا من عتمتنا اليومية التي فرضوها علينا.
محمد جبعيتي كتب رواية عن فلسطين، لكننا نقرؤها نحن السوريين كأنها روايتنا، لأن الطغيان وجهه واحد، مهما تعددت اللهجات والمنافي.
“الطاهي الذي التهم قلبه” ليست رواية عن الطعام، بل عن الذين لا يُسمح لهم حتى بتذوق الحياة.

رأي واحد حول ““الطاهي الذي التهم قلبه”: رواية عن الجوع الفلسطيني للكرامة”