في كتاب الدجاج السياسي يقدّم مهند قطيش نصًا يقع في المنطقة الفاصلة بين السيرة الشخصية واليوميات، حيث تتحول تجربة الاعتقال من حادثة فردية إلى حكاية أوسع عن علاقة الفرد بالسلطة والخوف. العمل لا يُقرأ بوصفه رواية بالمعنى التقليدي، بقدر ما يُقرأ كنوع من اليوميات أو الحكاية الشخصية التي يستعيد فيها الكاتب تفاصيل مرحلة قاسية من حياته بعد اعتقاله بسبب موقف أو كلمة. لكن هذا الطابع الشخصي لا يجعل النص مجرد شهادة فردية؛ إذ سرعان ما يتوسع ليصبح تأملًا في المناخ السياسي والاجتماعي الذي يجعل الكلام فعلًا محفوفًا بالخطر. ومنذ العنوان، يضع الكاتب القارئ أمام مفارقة لافتة؛ فـ«الدجاج السياسي» تعبير ساخر يحمل في طياته نقدًا مريرًا لمجتمعٍ يتعلم فيه الناس الصمت، ويصبح فيه الجبن السياسي سلوكًا يوميًا يمارسه الأفراد بدافع الخوف أو الرغبة في النجاة.
لا يركّز النص على السجن باعتباره مكانًا مغلقًا فحسب، بل بوصفه حالة نفسية تمتد خارج الجدران. فالتجربة التي يرويها قطيش لا تبدأ عند باب الزنزانة ولا تنتهي عند الخروج منها، بل تستمر في الذاكرة والوعي. السجن هنا يتحول إلى استعارة للحياة العامة، حيث يشعر الإنسان أنه مراقَب دائمًا، وأن كل كلمة قد تتحول إلى تهمة. ومن خلال هذا التصوير، يصبح الاعتقال جزءًا من منظومة أوسع تقوم على إنتاج الخوف وإعادة إنتاجه في المجتمع. ولذلك فإن الحكاية لا تقدم صورة نمطية عن التعذيب أو القمع بقدر ما تحاول أن تكشف الأثر النفسي العميق لهذه التجربة على الإنسان.
يعتمد النص بدرجة كبيرة على التفاصيل اليومية الصغيرة التي تبدو في ظاهرها عادية، لكنها تكتسب معنى مختلفًا داخل السجن. الانتظار الطويل، الصمت الثقيل، خطوات الحراس في الممرات، الوجوه المتعبة للمعتقلين، كلها عناصر تتحول في السرد إلى إشارات على حياة معلقة بين الأمل واليأس. هذه التفاصيل تمنح العمل قوته الإنسانية، لأنها تنقل تجربة الاعتقال من مستوى الحدث السياسي إلى مستوى التجربة الفردية التي يعيشها الإنسان لحظة بلحظة. فالكاتب لا يسعى إلى كتابة بيان سياسي، بل إلى نقل تجربة وجودية يعيش فيها الفرد داخل فضاء مغلق لا يملك فيه سوى ذاكرته وأفكاره.
ومن الجوانب اللافتة في الكتاب أيضًا النظرة النقدية إلى الوسط الفني الذي ينتمي إليه الكاتب. فبين السطور تظهر خيبة واضحة من صمت كثيرين أو ابتعادهم عندما تحولت المحنة الشخصية إلى واقع. هنا لا يكتفي النص بوصف القمع الذي تمارسه السلطة، بل يلمّح إلى نوع آخر من القمع غير المباشر، يتمثل في الصمت الاجتماعي والخوف من التضامن. وبذلك تتحول الحكاية إلى مساءلة أخلاقية لبيئة ثقافية كان يفترض أن تكون أكثر قدرة على الدفاع عن حرية التعبير.
أسلوب الكتاب يتأثر بخلفية قطيش المسرحية، إذ يبدو السرد أحيانًا قريبًا من بناء المشاهد المسرحية. فالمواقف تتوالى كما لو أنها لقطات على خشبة مسرح، حيث تتجاور لحظات الاعتراف مع لحظات التأمل الداخلي. هذا الطابع يمنح النص إيقاعًا خاصًا يجمع بين البعد الدرامي والبعد التأملي، ويجعل القارئ يشعر أنه يتنقل بين مشاهد متتابعة في عرض طويل عن تجربة الاعتقال وما تركته من أثر في الذاكرة.
وعلى الرغم من أن النص ينطلق من تجربة شخصية، فإنه يتجاوز حدود السيرة الفردية ليقترب من ذاكرة جماعية عاشها كثيرون. فالحكاية التي يرويها قطيش ليست قصة شخص واحد بقدر ما هي صورة عن مرحلة كاملة أصبح فيها الاعتقال السياسي جزءًا من الحياة اليومية، وأصبح الصمت خيارًا شبه إجباري لكثيرين. لذلك يمكن قراءة «الدجاج السياسي» بوصفه محاولة لاستعادة صوت كان محاصرًا لفترة طويلة، وتحويل التجربة المؤلمة إلى سرد إنساني يفتح باب التفكير في معنى الحرية والخوف.
في النهاية، لا يبدو هذا العمل مجرد تسجيل لذكريات الاعتقال، بل محاولة لفهم المجتمع الذي ينتج هذا الخوف ويعيش في ظله. إنه نص يحاول أن يطرح سؤالًا بسيطًا لكنه ثقيل: كيف يمكن للإنسان أن يحافظ على صوته في عالمٍ يصبح فيه الكلام تهمة؟ وفي هذا المعنى، تتحول الحكاية الشخصية إلى شهادة إنسانية عن زمنٍ كان الصمت فيه فضيلة مفروضة، بينما يصبح الكلام فعل شجاعة.
