قراءة نقدية في رواية رنا العش

تندرج رواية «ذاكرة النارنج» للكاتبة السورية رنا العش ضمن الروايات التي تستند إلى الذاكرة بوصفها مادة أساسية للسرد. فالرواية لا تقوم على حدث درامي كبير بقدر ما تقوم على استعادة تفاصيل الحياة اليومية داخل مجتمع تقليدي، حيث تتقاطع حكايات ثلاثة أجيال من النساء في فضاء دمشقي يفيض بالحنين.

منذ العنوان، تقدم الرواية مفتاحها الرمزي. فـ النارنج، الشجرة الدمشقية التي تزيّن البيوت القديمة، تتحول في النص إلى استعارة للحياة نفسها؛ بطعمها المرّ الذي يمكن أن يتحول إلى حلاوة، كما تتحول التجارب القاسية في الذاكرة إلى حكايات قابلة للسرد. بهذا المعنى يصبح العنوان مدخلاً لفهم الرواية، التي تمزج بين المرارة والحنين في مصائر شخصياتها.

تعتمد الرواية على تتبع حياة ثلاثة أجيال من النساء داخل مجتمع تحكمه الأعراف والتقاليد. غير أن الصراع لا يظهر في شكل مواجهة صريحة مع المجتمع، بل في شكل توترات داخلية تعيشها الشخصيات، حيث تحاول كل امرأة أن تفتح مساحة صغيرة من الحرية لنفسها أو للجيل الذي يأتي بعدها. ومن خلال هذا المسار الهادئ تكشف الرواية كيف يتشكل الوعي بالتغيير ببطء عبر الزمن.

يحتل المكان الدمشقي حضوراً لافتاً في الرواية. فالأزقة القديمة والبيوت العربية والفناء الذي تتوسطه شجرة النارنج لا تظهر بوصفها مجرد خلفية للأحداث، بل بوصفها جزءاً من الذاكرة التي تحمل قصص العائلة وتحولات المجتمع. وهكذا يتحول المكان إلى عنصر أساسي في بناء النص.

أما على مستوى الأسلوب، فتميل رنا العش إلى لغة هادئة وتأملية، تعتمد على التفاصيل الصغيرة أكثر من اعتمادها على الأحداث الكبيرة. هذا الاختيار يمنح الرواية طابعاً حميمياً، لكنه يجعل الإيقاع السردي أحياناً بطيئاً. ومع ذلك يبقى هذا البطء منسجماً مع طبيعة الرواية نفسها، لأنها في جوهرها رواية عن الذاكرة.

في النهاية، يمكن قراءة «ذاكرة النارنج» بوصفها رواية عن الماضي الذي يستمر في تشكيل الحاضر، وعن النساء اللواتي عشن في ظل قيود اجتماعية لكنهن حاولن، بصمت، أن يتركن أثراً مختلفاً للأجيال القادمة. إنها رواية تعتمد على التفاصيل الصغيرة لتروي حكاية أكبر عن المجتمع والذاكرة والزمن.

أضف تعليق