تأتي رواية “لم نأكل التفاح” للكاتبة السورية ريما بالي بوصفها محاولة روائية لالتقاط لحظة سورية مثقلة بالذاكرة والغياب. فالرواية لا تكتفي بسرد حكاية فردية، بل تسعى إلى بناء فضاء سردي يتقاطع فيه الخاص مع العام، حيث تتداخل القصص الشخصية مع التاريخ القريب بما يحمله من مآسٍ وأسئلة معلّقة. ومن خلال هذا التداخل، تحاول الكاتبة مقاربة موضوعات حساسة مثل المعتقلين المغيبين، والذاكرة الجماعية، والصدمة التي يتركها الحدث الكارثي مثل الزلزال.
تقوم الرواية على بنية سردية تقوم على تداخل صوتين أساسيين في الرواية: صوت الراوي الخارجي العارف، وصوت الراوية بضمير المتكلم. هذا التداخل لا يأتي بوصفه مجرد تنويع تقني في أسلوب الحكي، بل يشكّل جزءًا من المعمار الفني للنص، إذ يساهم في كشف طبقات مختلفة من التجربة الإنسانية التي تسعى الرواية إلى تمثيلها.
يظهر الراوي الخارجي العارف بوصفه صوتًا يراقب الأحداث من خارجها، ويقدّم للقارئ صورة شاملة عن الشخصيات ومساراتها. هذا النوع من السرد يمنح النص قدرة على الإحاطة بالسياق العام للأحداث، كما يسمح بتقديم معلومات لا يمكن للشخصيات نفسها أن ترويها. فالراوي العليم يفتح المجال أمام رؤية بانورامية للعالم الروائي، ويضع الشخصيات ضمن شبكة أوسع من العلاقات والظروف.
على مستوى القصة والحبكة السردية، تقوم الرواية على بناء يتقدّم تدريجيًا عبر الكشف المتدرج للوقائع. فالأحداث لا تُقدَّم دفعة واحدة، بل تتكشف شيئًا فشيئًا عبر استعادة الذكريات وتداخل الأزمنة. هذا الأسلوب يمنح الحبكة طابعًا نفسيًا أكثر منه حدثيًا، إذ يصبح التركيز منصبًا على تأثير الأحداث في الشخصيات أكثر من التركيز على الحدث ذاته. وبهذا المعنى، تتحول الرواية إلى مسار بحث عن المعنى داخل واقع مضطرب.
تتميّز الحبكة كذلك بوجود تقاطعات بين مسارات مختلفة من المعاناة السورية. فحكاية الشخصيات لا تنفصل عن سياق أوسع يتمثل في تجربة الاعتقال والاختفاء القسري، وهي واحدة من أكثر القضايا حضورًا في الوعي السوري المعاصر. تظهر هذه القضية في الرواية بوصفها جرحًا مفتوحًا لا يقتصر على المعتقل نفسه، بل يمتد إلى العائلات التي تعيش حالة انتظار دائم. إن الغياب هنا ليس مجرد فقدان لشخص، بل حالة معلّقة بين الأمل واليأس، وهو ما يمنح الرواية بعدًا إنسانيًا عميقًا.
ومن العناصر اللافتة في الرواية حضور الزلزال بوصفه حدثًا مفصليًا في البناء السردي. فالزلزال لا يظهر فقط ككارثة طبيعية، بل يتحول إلى استعارة رمزية لاهتزاز العالم الداخلي للشخصيات. فكما تهتز الأرض تحت أقدام الناس، تهتز كذلك يقيناتهم وعلاقاتهم وذكرياتهم. وبهذا يصبح الحدث الطبيعي مرآة لزلزال آخر عاشه المجتمع السوري خلال السنوات الماضية، حيث اختلطت الخسارات الفردية بالجماعية.
أما من حيث السرد، فتعتمد الرواية لغة تميل إلى التأمل والهدوء، مع حضور واضح للبعد العاطفي في تصوير الشخصيات. لا تسعى الكاتبة إلى تقديم مشاهد درامية صاخبة بقدر ما تركز على التفاصيل الصغيرة التي تكشف الألم الإنساني. هذا الأسلوب يمنح النص طابعًا إنسانيًا قريبًا من التجربة اليومية، ويجعل القارئ يتعامل مع الشخصيات بوصفها كائنات حقيقية تحمل هشاشتها وأسئلتها.
وفي الوقت نفسه، تحاول الرواية أن توازن بين الواقعي والرمزي. فالأحداث مرتبطة بوقائع معروفة في الواقع السوري، مثل الاعتقال والاختفاء، لكنها تُقدَّم ضمن بناء سردي يفتح المجال للتأويل، خاصة من خلال استخدام الرموز مثل التفاح أو الزلزال. وهذا المزج بين الواقعي والرمزي يمنح النص بعدًا أدبيًا يتجاوز التوثيق المباشر للحدث.
في النهاية، يمكن النظر إلى “لم نأكل التفاح” باعتبارها رواية تحاول مواجهة الذاكرة السورية المثقلة بالفقدان. فهي لا تقدّم إجابات نهائية، بل تطرح أسئلة حول معنى الغياب، وإمكانية التعايش مع الذاكرة، وقدرة الإنسان على الاستمرار رغم الخراب. ومن خلال حبكتها التي تجمع بين التجربة الفردية والكارثة الجماعية، تقدم ريما بالي نصًا روائيًا يسعى إلى فهم الإنسان في لحظة تاريخية تتداخل فيها المأساة الشخصية مع مأساة الوطن.
