لم يعد العالم ساحة نقاش، بل ساحة قتال أفكار. كل منشور معركة، وكل تعليق رصاصة، وكل رأي قنبلة موقوتة. في زمنٍ لم يكن بعيدًا، كان الناس يختلفون ليكتشفوا الحقيقة، أمّا اليوم فهم يختلفون ليقتلوا الحقيقة ثم يحتفلوا بجنازتها.
الاستقطاب لم يعد حالة سياسية فقط، بل تحوّل إلى نمط حياة. يستيقظ الفرد ليدافع عن فريقه، عن لونه، عن هاشتاغه، عن جماعته، حتى لو لم يكن يعرف تمامًا ماذا يدافع عنه. المهم أن يكون هناك “آخر” يكرهه، لأن الكراهية صارت جزءًا من الهوية.
ولأن الطبيعة لا تحتمل الفراغ، يولد دائمًا استقطاب مضاد. فكل فكرة صلبة تخلق فكرة نقيضة أكثر صلابة، وكل تطرف يولّد تطرفًا مضادًا بحجة التوازن. من يصرخ باسم الدين يوقظ من يصرخ باسم الإلحاد، ومن يرفع راية الحرية يوقظ من يرفع راية الطاعة. كأننا عالقون في حلقة لانهائية من الغضب المتبادل، حيث كل طرف يتغذّى من كراهية الآخر ويعيش عليها.
في العالم العربي، بات الاستقطاب نوعًا من الاقتصاد السياسي. الأنظمة تغذّيه لتبقى، والإعلام يبيعه ليعيش، والناس تستهلكه كأنه وجبة يومية من الغضب. كل حزب يريدك أن تكرهه لا أن تفهمه، وكل زعيم يحتاج خصمًا ليبدو بطلًا. حتى مواقع التواصل الاجتماعي لم تعد تعرض المختلف، بل تكدّس حولك من يشبهك لتظن أن العالم كله يصفّق لك، بينما أنت في قفص رأيك دون أن تدري.
وحين يظهر من يحاول الحديث بعقلانية، يُتَّهم فورًا بأنه رمادي، متردد، بلا موقف. نسي الناس أن الرمادي ليس ضعفًا بل توازنًا بصريًا في لوحة الفوضى. لكننا نحب الأبيض والأسود لأنهما يختصران التفكير ويعفياننا من عناء الفهم.
الاستقطاب المضاد لا يقل خطورة عن الأصل. فحين ترد على الكراهية بكراهية، لا تولد العدالة بل جيل جديد من الكراهية. وحين تهاجم التطرّف بتطرّف آخر، لا تصنع وعيًا بل دوامة جديدة من الصراخ. وهكذا، بدل أن نخرج من المعسكرات، نبني معسكرات جديدة بأسماء مختلفة.
ربما الحل أن نبطئ قليلاً، أن نتذكّر أن الاختلاف لا يعني العداء، وأن الحوار لا يحتاج إلى خوذة واقية. ربما نحتاج أن نعود بشرًا قبل أن نعود مؤمنين أو ملحدين، يساريين أو يمينيين، نسويين أو ذكوريين، ثوارًا أو ممانعين. لأن أول خطوة في طريق الحرية ليست أن تصرخ، بل أن تسمع.
