ما بعد الهتاف العظيم
“حرية! حرية!” هكذا دوّى الهتاف في الساحات، وترددت أصداؤه من تونس إلى دمشق، من القاهرة إلى صنعاء. لكن ما لم ننتبه له في غمرة النشوة، هو أن الشعوب، غالبًا، لا تطالب بالحرية لتمارسها… بل لتهرب من ألمٍ ما، من ظلمٍ ما، دون أن تكون مستعدة فعلًا لتحمّل كلفتها. حين سقطت الأنظمة أو تزلزلت، لم تملأ الحرية المكان كما توهّمنا، بل دخلت الوحوش: الطائفية، الفوضى، الميليشيات، النفاق، الحنين للجلاد.
الإنسان ذئبٌ لأخيه الإنسان
كتب توماس هوبز في عمله الشهير اللفياثان أن الإنسان، في حالته الطبيعية، كائن مفترس، تحكمه الغرائز ويقوده الصراع، حيث يعيش في “حرب الجميع ضد الجميع”. وهو لا يسعى إلى السلام إلا مضطرًا، حين يدرك أن حياته، بلا نظام، أقصر من أن يُكمل جشعه فيها. ومن هنا جاء دفاع هوبز الشرس عن وجود “سلطة مطلقة”، تُخضع الجميع وتُرهبهم كي لا يفتك أحدهم بالآخر.
لكن هوبز لم يكن يتحدث عن العرب في القرن الحادي والعشرين، ومع ذلك، بدت نبوءته وكأنها كُتبت على جلد هذه الأمة. فحين سقطت القبضة، وانكشفت الحجب، واختبر الناس – ولو لحظات – تلك “الحالة الطبيعية”، لم يجدوا فيها فردوسًا ضائعًا ولا حرية موعودة، بل مزيجًا من الفوضى والعنف والخوف والفراغ. بدلاً من أن يُمارسوا الحرية كمسؤولية، راحوا يرتّبون فزعهم الجماعي على هيئة رجاء: “ليعد الطاغية، ولكن ببعض الرأفة”.
وهكذا، بدأت سيرورة إنتاج المستبد الجديد: ليس بالضرورة بنفس الشكل، لكن بذات الوظيفة. ليس بالزي العسكري، ولكن بثوب “المخلّص”، أو “الحامي”، أو “الزعيم المنتخب شعبياً”. وما هو أشدّ قسوة من ذلك، أن العامة بدأت تُعيد صياغة خطاباتها ومخاوفها بما يُبرّر العودة إلى السجن، لا الخروج منه. قالوا: “ألف جلاد ولا يوم فوضى”، وكأن الجلاد خيارٌ عقلاني أمام الفوضى، لا أصل تلك الفوضى.
لكن ما لم يدركه هؤلاء أن ما سُمِّي فوضى لم يكن إلا المرآة الأولى التي نُجبر على النظر فيها بعد سقوط القناع. كانت تلك “الفوضى” لحظة كشف، فرصة نادرة لإعادة البناء: بناء المجتمع، بناء القانون، بناء الإنسان المواطن لا التابع، لكننا، بارتجاف الوعي، خسرنا تلك الفرصة.
لقد نسي الناس أن الطغيان لا يأتي فقط من عرشٍ عالٍ… بل من داخلهم حين يخافون من أنفسهم أكثر مما يخافون من الجلاد. ومن هنا، يصبح الخوف من الحرية أعظم أدوات القمع، حتى وإن بدا في صورة اختيار.
الحرية عبء لا يحتمله الجميع
جان جاك روسو، في افتتاح كتابه الشهير “العقد الاجتماعي”، أطلق عبارته الخالدة: “الإنسان وُلد حرًا، ومع ذلك فهو في كل مكان مكبّل بالسلاسل.” عبارةٌ رنّت في ضمير الحداثة كما لو كانت جرسًا يدعو إلى الثورة على كل أشكال الاستعباد: السياسي، الديني، الاقتصادي، الاجتماعي.
لكن روسو، رغم نبل دعوته، افترض افتراضًا مشكوكًا فيه: أن الإنسان يرغب في استعادة حريته بمجرد أن يدرك أنه فقدها. ماذا لو لم يكن هذا صحيحًا؟ ماذا لو كان بعض الناس، بل كثيرون، لا يريدون الحرية أصلًا؟ ماذا لو أن السلاسل، بدل أن تكون عبئًا، تحوّلت إلى جزء من الذاكرة الجمعية، إلى نوع من الطمأنينة الوجودية التي تمنح شعورًا بالانتماء، بالحماية، بالنظام؟ أليس من الممكن أن تكون الأغلال التي يتحدث عنها روسو قد أصبحت بمثابة وسادة ينام عليها الإنسان بسلام، لأنه لا يُضطر معها إلى اتخاذ قراراته بنفسه، ولا إلى تحمّل تبعات أفعاله؟
في المجتمعات التي نشأت في ظل أنظمة استبدادية، لا تكون الحرية ضرورة، بل خطرًا… يُنظر إليها كمجازفة لا كمكسب، كمشروع مثقل بالمجهول، لا كقيمة أخلاقية وجودية. وهنا، تبدأ الخيانة الصامتة لفكرة الحرية، لا على يد الطغاة فقط، بل على يد من كانوا ضحاياهم ذات يوم، ثم صاروا مدافعين عنهم لاحقًا، أو باحثين عن بديل يشبههم.
التحرر في تصوّر روسو هو عودة إلى الحالة الطبيعية الأولى، حيث “الإرادة العامة” تصنع التعاقد العادل بين البشر. لكن في واقعنا، كانت العودة إلى “الطبيعة” عودة إلى البدائية، لا إلى النقاء، إلى القبلية، لا إلى التعاقد، إلى الغريزة لا إلى العقل. ومن هنا، تحوّل الحلم بالتحرر إلى حنين غريب إلى القيود؛ الناس بدأوا يستذكرون “عهد الطغيان” لا كفصل مظلم، بل كـ”زمن الاستقرار”… كأن الذلّ، حين يكون مألوفًا، يصبح أكثر راحة من الحرية حين تكون مجهولة.
وهكذا نرى أن نداء روسو لم يكن كافيًا… فحتى أولئك الذين وُلدوا أحرارًا، ربما فضّلوا – مع الزمن – أن يعودوا إلى السلاسل، ولكن هذه المرة باختيارهم. اختيار نابع لا من القوة… بل من خوف الإنسان العميق من مواجهة مسؤوليته أمام ذاته.
المراقبة كغريزة… لا كقيد
قلب ميشيل فوكو المفاهيم السائدة عن السلطة حين قال إنها لم تعد مجرد هرم يتربع عليه الحاكم، بل شبكة دقيقة تتغلغل في الأجساد، تتسلل إلى العادات، إلى اللغة، إلى العيون التي تراقبك… وإلى تلك التي تراقب نفسك.
في كتابه “المراقبة والمعاقبة”، رسم فوكو صورة بانورامية للسجن الحداثي، ليس كسورٍ وجدران، بل كبناء دائري المراقبة، لا يعرف فيه السجين إن كان أحد يراقبه أم لا، لكنه يتصرف دوماً كما لو أن العيون مسلطة عليه. وهكذا، لا يعود بحاجة إلى سجّان، لأن المراقبة أصبحت جزءًا من ذاته.
ونحن كذلك – في مجتمعاتنا – تشرّبنا السلطة حتى العظم. صرنا نخاف من الحرية، لا لأن هناك طاغية يراقبنا، بل لأننا نراقب أنفسنا بدقة تفوق أي مخبر. نُجلد ذواتنا حين نحاول التفكير خارج المألوف، نحاصر خيالنا كي لا يخرج عن النص، نكمّم أفواه أطفالنا بأيدينا، قبل أن يفعلها المعلم أو رجل الأمن. لقد اختزلنا الطغيان في رأس النظام، ونسينا أن آلاف النسخ المصغّرة من الطغيان تعيش بيننا: أب ديكتاتور في البيت، شيخ يحرّم التفكير، معلم يهين الأسئلة، زعيم حزبي لا يطيق المخالف، ناشط حرّ الظاهر، استبدادي العمق، إعلامي يبيعك الحرية مغلّفة بالدعاية.
سقطت الدولة الأمنية في لحظة ما؟ ربما، لكننا لم نتحرر منها. بل قمنا بإعادة إنتاجها بوعي أو دون وعي، لأننا لم نملك أدوات أخرى لتنظيم حياتنا. فأعدنا تشكيل السجن: على شكل جماعة متطرفة تدّعي حماية الإيمان، أو حزبٍ “ثوري” يحتكر الحقيقة، أو مؤسسة إعلامية تحقننا بجرعات منتظمة من الخوف.
أما الأدهى، فهو أن الرقابة لم تعد تُفرض علينا من الخارج، بل أصبحنا نطلبها بإلحاح: نطالب القائد أن “يحسم الأمور”، نرجو الشيخ أن “يفصل في الحلال والحرام”، نترجّى الدولة أن “تضبط الإنترنت”، ونصرخ: “أوقفوا هذه الفوضى!”… وكل ذلك خوفًا من مواجهة أنفسنا بدون وصي، بدون سلطة، بدون من يُملي علينا الصواب. وهكذا، أصبح القيد غريزة، لا جهازًا. وأصبح السجن حاجة نفسية، لا سياسية.
من الحداثة إلى الطائفية: التراجع إلى ما قبل الدولة
حين خُيِّرنا بين المواطنة والانتماء البدائي… فاخترنا القبيلة، لم يكن مشروع “دولة المواطن” مجرد شعار ثوري أو طموح سياسي، بل كان – في جوهره – محاولة لصياغة عقد اجتماعي جديد، يُخرِجنا من الهويات القاتلة نحو هوية مدنيّة، تحفظ الفرد ككائن مستقل، لا كترس في آلة طائفية أو جهوية أو عشائرية.
لكن ما حدث – بعد سقوط السلطة المركزية – لم يكن بناء الدولة، بل تفككها إلى شظايا أولية. عدنا بسرعة مذهلة إلى انتماءاتنا الأكثر بدائية، وكأننا لم نغادرها أصلًا: من مواطنين إلى سنة وشيعة، من أفراد إلى عشائر، من شركاء في وطن إلى غرباء في حيٍّ واحد.
فُتِحت بوابة الحداثة… فركضنا عكس الاتجاه. صِرنا نحاكم بعضنا لا وفق قانون واضح، بل وفق الولاء والانفعال، نطالب لا بالعدالة المجردة، بل بـ”أخذ الحق باليد”، نرفض المؤسسات، لا لأنها فاسدة فقط، بل لأننا لا نثق إلا بمن يشبهنا، بل ونُعيد تعريف مفهوم “الأمان” ذاته… ليصبح مرتبطًا بالطائفة لا بالقانون، وبالزعيم لا بالمؤسسة، وبالثأر لا بالحق.
وفي هذا المناخ، تحوّلت الحرية إلى مجهول مخيف. لم نعد نخشى “النظام السابق” بقدر ما نخشَى أنفسنا، أو بالأحرى: نخشى ما انكشف فينا حين غابت سلطة تُرشدنا أو تقمعنا. فجأة، وجدنا أنفسنا في مواجهة ما أخفاه الطغيان لسنوات: الكراهية المختبئة، العنصرية المؤجّلة، الخوف المتراكم، الجهل بالآخر، الغريزة التي تفوق القانون، والانتماء الذي يسبق الوطن.
ولأننا لم نكن نملك أدوات الخلاص، عدنا نُطالب بمن يقودنا… أيًّا كان شكله: زعيم طائفي، شيخ مهووس بالمقدس، ميليشيا تبيع الحماية، أو نظام قديم يعود من ثقب الذاكرة على هيئة “الحل الأقل سوءًا”.
هذا التراجع من الحداثة إلى الطائفية ليس مجرد انتكاسة سياسية، بل سقوط في زمن قديم، زمن ما قبل الدولة، حيث لا حقوق ولا مؤسسات، بل أعراف وسيوف… زمنٌ تكون فيه حياة الإنسان مرهونة باسم عائلته أو طائفته، لا بشخصه.
الثورة المضادة: لم تكن سياسية فقط، بل نفسية أيضًا
لطالما اعتُبرت الثورة المضادة مشروعًا للأنظمة المهزومة: تُطلق الدبابات، تعيد فتح السجون، تنشئ ماكينة إعلامية جديدة تتقن الكذب بمكياج “الواقعية”. لكن ما غاب عن كثيرين هو أن أخطر أشكال الثورة المضادة ليست التي تأتي من فوق… بل التي تنمو من داخل الناس أنفسهم. إنها ثورة نفسية، تُعيد صياغة العلاقة مع الطغيان، لا على أنه قمع، بل على أنه خلاص.
في لحظة الخوف والضياع، بدأ الناس يشتاقون للجلاد. لا لأنه طيّب، ولا لأنه عادل… بل لأنه مألوف. فالمعروف – حتى وإن كان قاتلًا – أهون من المجهول. هكذا تحوّل الطاغية في الخيال الجماعي من وحش إلى “رجل دولة”، من مستبد إلى “ضامن للاستقرار”. نسي الناس أنه هو من خرّب كل شيء، فقط لأن البديل عنه بدا غامضًا، فوضويًا، وربما صادقًا أكثر من اللازم.
وهنا مكمن الخطر: الثورة المضادة لا تحتاج دبابات إن كانت تملك حنينك. ولا تحتاج خطابات إن كنتَ قد فقدت القدرة على التخيّل. تنتصر لا حين تهزمك في الشارع، بل حين تُقنعك أن الحرية كانت وهمًا، وأن الطغيان قدَر.
هل من طريق للخلاص؟ الحرية كحرفة… لا كشعار
لن نخرج من هذا الجحيم بمجرد الهتاف أو الانتظار. بل فقط حين نُعيد تعريف الحرية لا كشعار مثالي، بل كحرفة مدنية، وممارسة يومية، وعملية شاقة تتطلب:
- تربية سياسية مبكرة: حيث يُدرَّس الطفل كيف يعترض، كيف يسائل، كيف يفكّر خارج الإملاء، لا داخله.
- دستور يُحترم لا يُنتهك: لا مجرد نصوص على ورق، بل عقد يربط الجميع، ويُحاسَب عليه الكبير قبل الصغير.
- إعلام يعلّم لا يضلّل: ينقل الحقيقة، لا الولاء. يطرح الأسئلة، لا يخاف منها.
- مجتمع مدني يراقب لا يصفّق: لا يُستَخدم لالتقاط الصور، بل يُفعّل كعين الشعب في وجه السلطة، لا كظلّها.
والأهم: أن الحرية تبدأ من البيت، من المدرسة، من الطفولة… حين يُسمَح للطفل أن يسأل “لماذا؟” دون أن يُضرب. حين لا يُقمع لأنه فكر، أو كتب، أو قرأ شيئًا مختلفًا. حين يصبح السؤال فضيلة، لا خطيئة. الحرية ليست طفرة، بل مشروع طويل النفس. وما لم نبدأ ببنائه من القاع، سنبقى نعيش أعمارًا كاملة في انتظار لحظة “التحرر”، بينما نربي في بيوتنا جلاد الغد.
لماذا نخاف من الحرية؟
لأن الحرية مرآة… لا نجاتنا منها إلا بالصدق، نخاف من الحرية لأنها تعرّينا. تسحب منا كل “الآخرين” الذين نحمّلهم مسؤولية فشلنا: الأب الحامي، القائد الملهم، العدو المشترك، الطاغية الذي يسرقنا… ونشتمه مطمئنين، ما دام يُبعد عنّا واجب التفكير والفعل.
نخاف من الحرية لأنها تسلبنا أعذارنا. ففي اللحظة التي تصير فيها حرًّا، لا يبقى أمامك إلا ذاتك لتُحاسبها. لا ديكتاتور لتلعنه، ولا نظام تلومه، ولا قيد تتذرع به. وهذا بالضبط ما لا نحتمله.
نخاف من الحرية لأنها تُجبرنا على أن نكون بشرًا مسؤولين، لا مجرد كائنات تابعة، تصرخ وتنتظر الخلاص من الخارج. الحرية تُجبرك أن تبني، لا أن تُصفق. أن تخطئ، لكن بشجاعة، لا أن تتقن الطاعة كنوع من البقاء.
ليست الحرية لحظة سياسية تُنتزع في الميدان، بل نظام حياة يُبنى في الظلّ، ببطء، وبألم: في البيت، في المدرسة، في السؤال الذي يُسمَح بطرحه، في الفكرة التي لا تُقمع، في القلق الذي لا يُسكَت، في الحق في الرفض، والحق في الاختيار.
وهذا النظام لا يأتي كهبة من أحد، ولا يولد طبيعيًا فينا، بل يحتاج إلى وعيٍ طويل الأمد، وتربية شاقة، وشجاعة نادرة. حتى ذلك الحين… حتى تنضج الحرية فينا، لا في خطاباتنا، سيبقى السؤال يطاردنا مثل لعنة معلّقة: هل نحن فعلاً نخاف من الطغيان؟ أم من تلك اللحظة التي نُترك فيها وحدنا أمام مرآة الحرية… بلا أقنعة؟
