سقط النظام السوري، وتنفّس السوريون الصعداء. لكن رائحة الطائفية عادت إلى الواجهة، كأنها لم تسقط معه. في الأيام الماضية، تحوّلت محافظة السويداء إلى ساحة اشتباك دموي، ليس فقط بين جماعات مسلّحة، بل بين سرديات قديمة لم تَمت… بل أُعيد تدويرها.
السلطة الجديدة التي جاءت على أنقاض حكم الطغيان، تجد نفسها اليوم أمام اختبار: هل ستعيد إنتاج أدوات السلطة التي سبقتها؟ أم ستكسر حلقة الفتنة؟
من النزاع إلى الفتنة: ماذا حدث؟
انطلقت شرارة الأحداث من عملية خطف وسلب على طريق في ريف السويداء. لكن ما لبث أن تحوّل إلى رد فعل عشائري دموي، تصاعد إلى اشتباكات مع الفصائل المحلية، وقتل، ونهب متبادل، ثم دخول الجيش والأمن لفضّ النزاع.
لكن التدخل الرسمي لم يُخمِد الفتنة، بل سرّع دورانها. فبدل أن تتعامل الدولة مع ما جرى كقضية جنائية، جرى تصويرها كـ”صراع طائفي بين الدروز والبدو”. وتحوّلت بعض النخب السياسية إلى تكرار لغة عرفناها جيدًا في سوريا القديمة:
“الخطر على النسيج الوطني”، “الجبل يتمرد”، “الفلول في السويداء”.
الطائفية: ليست شعورًا… بل صناعة
الطائفية ليست مرضًا عضويًا في المجتمعات، بل منتَج سياسي وأمني. النظام السابق أتقن هذه الصناعة. واليوم، حين تعجز السلطة الجديدة عن معالجة أزمة محلية، تبدو كأنها تُستدرَج لنفس أدوات الهيمنة القديمة.
من يشعل النار؟ عناصر منفلتة تبحث عن حرب بالوكالة
ليس من العدل تحميل مجتمع بأكمله وزر جريمة فردية، ولا من الحكمة تفسير نزاع محلي بلغة الفتنة الوطنية. لكن ما جرى في السويداء لم يكن عفويًا بالكامل. هناك أطراف انفلتت من كل سيطرة، حملت السلاح، واعتبرت نفسها فوق القانون.
بعض هؤلاء محسوب على عشائر ومجموعات مسلحة وحتى على الأمن والجيش، وبعضهم الآخر ظهر كـ”رد فعل أهلي”، لكنه تصرّف بمنطق الثأر الجماعي. وفي الحالتين، النتيجة واحدة: دم، رعب، وشقوق في النسيج الأهلي. الأخطر أن هناك من سعى، من كل الأطراف، إلى استثمار الدم لصالح أجندات أوسع:
- تأجيج خطاب الكراهية على منصات التواصل
- نشر مقاطع “مهينة” ومقصودة لتأليب الجمهور
- تسريب معلومات مغلوطة عن مواقف الطوائف أو “مناطق الحاضنة”
هؤلاء لا يمثلون لا الجبل ولا البادية، لا الدولة ولا المجتمع، بل يمثلون منطق الفوضى الذي يسعى لاستمرار الأزمة… كي يبقى هو المستفيد الوحيد منها.
السويداء… فرصة لاختبار النضج الوطني
ما زالت السلطة الجديدة قادرة على تحويل المشهد إلى فرصة:
- فرصة لإعادة الاعتبار للقانون فوق كل سلاح
- فرصة للرد على خطاب الطائفية بخطاب العدالة
- فرصة لحماية المجتمعات، لا عبر الدبابات، بل عبر سياسات تنموية وعدلية حقيقية
وما زال صوت المجتمع المدني والفعاليات المحلية أقوى من الرصاص. حين خرجت وفود الصلح، وتحدثت عن العيش المشترك والعدالة والكرامة، كانت تُعبّر عن روح سوريا التي نريدها… لا سوريا التي ورثناها.
خاتمة
الفتنة لا تعود إلا إذا سمحنا لها. ومن يسعى اليوم لإعادة تدوير الطائفية، أيًا كان موقعه، فهو يراهن على ذاكرة مثقوبة… لكن السوريين أثبتوا، في السويداء وغيرها، أن الذاكرة حية، وأنهم يفرّقون بين الدولة والمسلّح، بين الخطأ والظلم، بين المحاسبة والانتقام. لقد سقط النظام، فلنُسقط أدواته أيضًا.
