في سوريا، لم تكن الحرب فقط بالسلاح، بل بالكلمات أيضًا. واحدة من أخطر تلك الكلمات هي: “نحن” و”هم”. كلمات تبدو بسيطة، لكنها حجّرت العقول، وفجّرت العلاقات، وأعادت صياغة السوري بوصفه خندقًا لا إنسانًا. هذا المقال محاولة لتفكيك هذه الثنائية القاتلة.
من أين جاءت سردية “نحن وهم”؟
ليست هذه السردية جديدة على التاريخ البشري، لكنها في السياق السوري تحولت من مجرد انقسام فكري إلى سلاح جماعي. ظهرت في أوضح صورها بعد 2011، حين بدأ السوريون يفرزون بعضهم البعض: هذا مع الثورة، ذاك مع النظام. لكنها ما لبثت أن تفرعت: نحن السُنّة وهم العلويون، نحن الداخل وهم الخارج، نحن المعتدلون وهم المتطرفون، نحن الضحايا وهم الصامتون.
كيف استخدمها النظام؟
النظام السوري منذ اللحظة الأولى للثورة، لم يتحدث بلغة السياسة، بل بلغة الاصطفاف. “جراثيم”، “مندسون”، “عملاء الخارج”، كانت هذه مفرداته المفضلة. “نحن” عنده هم الوطنيون، “هم” هم الخونة. هذا التوصيف لم يكن عشوائيًا، بل جزءًا من هندسة الخوف: اجعل الجميع يشك في الجميع، واحتكر أنت فقط صفة “الوطن”.
حين وقعت المعارضة في الفخ
ما يؤلم أكثر أن بعض أطياف المعارضة وقعت في الفخ ذاته. فبدأنا نسمع عن “شبيحة”، “بقايا البعث”، “خونة”، و”عبيد الأسد” في وصف من لا يشاركهم الرأي. بذلك أعادت المعارضة إنتاج الخطاب نفسه ولكن بعكس الاتجاه، واستُبعدت شرائح اجتماعية وسياسية كثيرة من الفضاء الثوري، فقط لأنها لم تطابق الصورة النمطية للثائر.
تفكك الـ”نحن” الواحدة
مع الزمن، لم يعد هناك “نحن” واحدة. بل أصبحت عدة “نحن”: نحن الإسلاميون، نحن الكرد، نحن العلمانيون، نحن السوريون في تركيا، نحن السوريون في أوروبا… وكل “نحن” جديدة أنتجت تلقائيًا “هم” جديدة. الخطاب بات مرآة مشروخة تعكس انكسارنا لا وحدتنا.
المهجر: إعادة إنتاج السردية
حتى في المنافي، لم ينجُ السوري من “نحن وهم”. بل نشأت طبقات جديدة: من يعيش في أوروبا يتهم من بقي في تركيا بأنه خان الثورة، ومن بقي في الداخل يرى من غادر بأنه تخلى، والكل يتبادل الاتهامات في غرف مغلقة وعلى العلن. الحقد لم يسقط مع الجواز، بل سافر معه.
الإعلام الجديد وتسميم الفضاء العام
لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دورًا محوريًا في ترسيخ هذه السردية، بدل أن تكون مساحة حوار. اختفت النقاشات، وظهرت المحاكم الشعبية الرقمية: من يختلف يُخَوَّن، من يسأل يُسكت، ومن يعارض يُلغى. أصبح الفيسبوك والتويتر أرض معركة لا منتدى رأي.
اليوم، لا عذر لنا: فرصة الخلاص من السردية
لقد شكّل نظام الأسد الأرض الخصبة التي نمت فيها سردية “نحن وهم” وتضخمت حتى صارت جدارًا سميكًا بين السوريين. بنى النظام سلطته على التخويف المتبادل، وعلى بث الشك حتى بين أفراد الأسرة الواحدة. أما اليوم، وبعد أن زال النظام – أو على الأقل تهاوى في رمزيته وسيطرته – فقد باتت الفرصة سانحة لسحب الهواء من رئتي هذه السردية الخانقة.
تأسيس الخطاب والهوية
اللحظة الراهنة هي لحظة تأسيس جديد، لا فقط لدولة، بل لخطاب، لهوية، لثقافة مدنيّة تقاوم الإقصاء. لم نعد مرغمين على الاستمرار في تقمص أدوار وضعها الديكتاتور لنا. لم نعد مضطرين لنكرر خطابًا كان يحمينا من بطشه لكنه اليوم لم يعد يحمي سوى ذاكرته. يمكننا أن نكون أكثر من جماعات مغلقة تخاف من بعضها البعض. يمكننا أن نكون مجتمعًا.
من “نحن وهم” إلى “أنا وأنت”
السردية التي قسّمت سوريا، ما زالت تفعل فعلها، ولكنها لم تعد قدَرًا. تفكيكها يبدأ بإدراك وجودها، وبالقدرة على الاعتراف بأننا جميعًا – بلا استثناء – ساهمنا في صناعتها، ولو بكلمة، أو صمت، أو بوست. الثورة كانت فرصة للحرية، فلنجعل ما بعدها فرصة للانتماء لا للتخندق. لعل الخطوة الأولى هي أن نسأل أنفسنا: هل يمكن أن نقول “أنا وأنت”، بدلًا من “نحن وهم”؟
