رنّ هاتفي، وظهر اسم “سام”. ابن أختي الذي لم يتجاوز الثامنة، المقيم في السويد منذ ولادته، والمتكلم بالعربية بلكنة لذيذة تتداخل فيها مخارج الحروف السويدية، كان على الطرف الآخر من المكالمة. لم يكن يريد شيئًا محددًا. أراد فقط أن يراني. الأطفال يفعلون ذلك حين يشعرون بالحنين، حتى لو لم يعرفوا أن ما يشعرون به اسمه حنين.

تحدثنا عن المدرسة، عن أصدقائه، عن كرة القدم، وعن الطقس. ثم، فجأة، سألني: “خالو، شو يعني سوريا؟”.


كأنّ سؤاله لم يأتِ من فمه، بل من ضميرٍ غائبٍ في داخلي لم أعد أجرؤ على مخاطبته. صمتُّ للحظة شعرت خلالها أن الهواء من حولي ثقيل. لم يكن سؤاله عاديًا، بل سؤالًا بوزن وطن، سقط فجأة على طاولة قلبي.

لم أعرف من أين أبدأ. هل أحدثه عن الماضي الذي لم يعشه؟ عن الحاضر الذي لا يفهمه؟ أم عن مستقبلٍ لا أعرف إن كان سيأتي؟ في صوته لم تكن هناك لهجة تحدٍّ أو شوق، بل فضول طفل يعيش في بلاد وفّرت له كل شيء: طمأنينة، تعليم، مواصلات دقيقة، وخبز لا يُهان من أجله أحد. طفل لم يرَ حاجز تفتيش، ولا شاهد عسكريًا يفتّش حقيبة والدته، ولا رأى والده يتلعثم وهو يتحدث في الهاتف. طفل لم يُطلب منه يومًا أن يصفّق، ولم يخبره أحد أن الصمت أمان.

“سام” لم يعرف سوريا إلا من خلال كلام والديه، من لهجة العائلة، ومن أخبار يسمعها أحيانًا في الخلفية. سوريا بالنسبة له فكرة، سؤال، أو اسمٌ لبلد بعيد لا يعرف إن كان يومًا سيزوره. وأنا، حين سألني، أدركت أنني لا أملك جوابًا جاهزًا لهذا النوع من الأسئلة.

فكرت أن أبدأ بالحكاية، فالأطفال يحبون الحكايات. لكن سوريا ليست قصة تُروى قبل النوم، بل حكاية تُقال كي لا ننام. سوريا التي عرفناها ليست جغرافيا فقط، بل جرح على الخريطة، حنينٌ يتنقل بين الأجيال، وطنٌ لم نعرف إن كنا نحبه لأنه وطن، أم لأنه محاصر وممنوع.

هل أشرح له أن أمه كانت تذهب إلى المدرسة وهي تردد نشيدًا تمجيديًا لا تفهمه؟ أن دروس التربية القومية كانت أكثر قداسة من دروس الرياضيات؟ أن التاريخ كُتب كما أراده الحاكم، لا كما جرى؟ هل أخبره أني كنت أكتب في دفتري ما لا يقال، وأمزقه قبل النوم لأن الخوف كان ينام تحت وسادتي؟

هل أشرح له أن الكهرباء كانت تقطع أكثر مما تأتي، وأننا كنا نحسب الأيام بناءً على عدد ساعات التقنين؟ أن الطبيب كان ينتظر موافقة أمنية ليغادر البلاد، وأن الفنان كان يعيش على فتات وزارة الثقافة؟ أن الإعلام لم يكن يخبرنا بما يحدث، بل بما يُراد له أن يحدث؟ وأن الناس كانوا يعرفون الحقيقة من خارج الوطن، لا من نشرات الأخبار؟

ثم خطر لي أن أحدثه عن الحاضر. فالوضع، رغم كل شيء، لم يعد كما كان. لم تعد الكلمة تُمنع بقرار من ضابط، ولم يعد اسم الحاكم خطًا أحمر يُخشى التلفظ به. ظهرت منصات، وساحات كلام، وبعض الجرأة التي لم نكن نعرفها. صار بالإمكان أن يُكتب المقال دون توقيع، أو حتى مع توقيع، دون أن يُعتقل صاحبه فورًا.

لكن الواقع لا يزال متشظيًا. لا يزال الناس ينتظرون خبزهم في طوابير الشتات، ولا يزال الملايين ينامون في خيام، يحملون وطنهم في حقائب بلا عنوان. لا تزال المدن مكسورة، والبيوت فارغة، والمدارس مزدحمة بذاكرة الحرب أكثر من الكتب. لا تزال المرأة تُقاتل لتعيش، ويُطلب منها أن تصمت بعد أن فقدت كل شيء. لا يزال الإعلام منقسمًا، والمشهد مليئًا بالأصوات المتداخلة التي تقول كل شيء… ولا تقول شيئًا.

والأصعب من ذلك كله، أن الذاكرة نفسها لم تعد ملكًا لأصحابها. صار لكل جهة روايتها، ولكل منطقة سرديتها، ولكل قتيل قصة مختلفة. ما كان يجب أن يوحدنا، بات يفرقنا.

فكرت أن أهرب إلى المستقبل. أن أقول له: “سوريا ستعود يا سام”. لكنني ترددت. لا أريد أن أبيع له وعدًا لا أمتلكه. لا أريد أن أقول له ما لا أصدقه كليًا. كم مرة قلنا إن سوريا ستعود؟ كم مرة انتظرنا تلك العودة، فإذا بها تأتينا مجتزأة، محمّلة بمزيد من الألم؟

نظرت إلى صورته على الشاشة. عينيه الواسعتين، بريئتين لا تعرفان الخيانة ولا الشك. شعرت برغبة في احتضانه، في أن أزرع فيه حبًا لوطن لا أريده أن يتحول إلى عبءٍ على كتفيه كما كان على كتفينا. ابتسمت، وقلت له: “سوريا يا سام… كانت حلمًا كبيرًا، وصارت وجعًا أكبر. بس يمكن إذا كبرت، وصرت تكتب وتحكي، تقدر تحكي عنها بطريقة أحسن مني… ويمكن تعيشها كما تمنينا ولم نقدر”.

ربما كانت هذه الإجابة الوحيدة الصادقة. أن أترك له الحق في الكتابة، بعدما كتبوا نحن في الظل. أن أمنحه حرية تشكيل وطنه كما يشاء، لا كما فُرض علينا. أن نؤمن أن سوريا لن تُبنى بخطب الحنين، بل بخطوات جيل جديد، يعيش بعيدًا عن الخراب لكنه لا ينساه، ويكتب عن وطنٍ لم يره، لكنه يشعر أنه مسؤول عن إعادة تخيله… لا وراثة ألمه فقط.

ربما لن يعرف “سام” يومًا سوريا التي عرفناها، ولن يمشي في شوارعها المكسوة بالغبار نفسه الذي تنفّسناه، لكنه يملك ما لم نملكه نحن حين كنا في عمره: الحرية في السؤال، والحق في الحلم، والمسافة التي تتيح له أن يرى البلاد من دون خوف. وربما يكون ذلك كافيًا. أن نمنحه خريطة جديدة لسوريا، لا تُرسم بالدم، بل تُرسم بالكلمات التي لم نجرؤ على قولها، وبالأحلام التي نجت من ركام الهزيمة. سوريا، التي لا نعرف كيف نعرّفها، قد يعرفها “سام” ذات يوم… حين يكتبها من جديد.

رأي واحد حول “خالو شو يعني سوريا؟

أضف تعليق