بين هواجس الماضي وتحديات الحاضر في سوريا الجديدة

بعد أكثر من عقد من الحرب وسقوط النظام السوري، دخلت البلاد مرحلة جديدة من التحولات السياسية والاجتماعية، وبدأ السوريون بمختلف مكوناتهم يتلمسون طريقهم في واقع مغاير. ومع ذلك، لا تزال الهجرة خيارًا مطروحًا لدى الكثيرين، خاصة في أوساط المسيحيين السوريين، الذين يحملون ذاكرة مثقلة بالخوف والانكماش، وتاريخًا طويلًا من القلق الوجودي.

من الغربة الداخلية إلى التشتت الخارجي

قبل الثورة، كان المسيحيون يشكلون مكونًا أساسيًا من نسيج المجتمع السوري، يتوزعون على مختلف المدن والقرى، من حلب إلى صيدنايا، ومن حمص إلى المالكية. لكن الحرب، وما تبعها من فوضى، وانتشار جماعات متطرفة، ومن ثم القمع الدموي الذي مارسه النظام السابق، دفعت أعدادًا كبيرة من المسيحيين للهجرة.

تشير التقديرات إلى أن أكثر من نصف المسيحيين السوريين غادروا البلاد خلال السنوات الماضية، واستقر معظمهم في أوروبا وأميركا وكندا. حتى بعد سقوط النظام، ظل جزء كبير منهم مترددًا في العودة، إما بسبب استمرار غياب الاستقرار الكامل، أو لخشيتهم من انكماش مجتمعهم إلى حد التلاشي.

بحسب تقارير منظمة Open Doors ومركز بيكار للدراسات، يُقدّر عدد المسيحيين الذين غادروا سوريا منذ بداية الحرب بأكثر من 50% من إجمالي عددهم، حيث كان عدد المسيحيين قبل 2011 يتراوح بين 1.5 – 2 مليون، أما اليوم فتشير التقديرات إلى أنهم لا يتجاوزون 700 ألف داخل البلاد.

وفي مقابلة مع الأسقف أنطوان أودو (رئيس أساقفة الكلدان في حلب)، قال:
“لا نشعر بأننا مستهدفون فقط، بل بأننا منسيون أيضاً”

لماذا بقيت فكرة الهجرة حاضرة لدى المسيحيين؟

1. جراح لم تندمل بعد

رغم التغيير السياسي، لا تزال آثار السنوات الطويلة من الرعب والاضطهاد ماثلة في أذهان كثيرين. البعض فقد أحبّاءه، آخرون دُمّرت منازلهم أو كنائسهم، وبعضهم عاش لحظات تهديد مباشر على حياته. هذا الوجع العميق يجعل من فكرة “العودة الكاملة للانتماء” عملية معقدة.

الراهبة آن فرانسواز، وهي من راهبات حلب، تعبّر عن هذا القلق بوضوح حين تقول:

“بدأ الأمر بحلب ثم حمص فدمشق، وفي النهاية وقعت البلاد في أيدي الإسلاميين. كيف سيكون الحال بعد ذلك؟ لا أحد يعرف، هذا هو الوقت المناسب للصلاة.”

2. القلق من التهميش في سوريا المستقبل

مع بدء بناء نظام سياسي جديد في سوريا، يطرح المسيحيون أسئلة مشروعة: ما مكاننا في هذا المشروع الوطني؟ هل سنكون شركاء حقيقيين؟ هل ستُحمى حقوقنا كمواطنين متساويين لا كـ”أقلية تحتاج إلى رعاية”؟
التاريخ الطويل من الاستغلال السياسي لهم في عهد النظام السابق ترك جرحًا في الثقة.

في هذا السياق، يعكس تصريح البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي موقفًا معتدلًا:

“المسيحيون لا يهتمون بالسلطة الحاكمة، فهم لا يقفون مع النظام أو ضد النظام، إنما همهم الأول هو حماية الدولة.”

3. الحنين لما قبل الحرب… لا لما بعدها

كثير من المسيحيين، خاصة من الجيل الأكبر سنًا، يشعرون بالحنين إلى حياة الاستقرار الاجتماعي، والمدارس الخاصة، والروابط المجتمعية القوية التي كانت تجمعهم قبل 2011. أما سوريا ما بعد الحرب، فهي جديدة بالكامل، بثقافة مختلفة، وشباب مختلف، وهوية وطنية لم تتبلور بعد.

وهذا ما عبّرت عنه السيدة زينة إيغو بقولها، وكأنها تندهش من استمرار الحياة رغم كل شيء:

“لم يذبحونا، كما كنا نظن… بل وزّعوا الخبز، وسمحوا لنا بالاحتفال بعيد الميلاد.”

تحديات الاغتراب: حياة جديدة لا تخلو من التعب

الهجرة لم تكن خلاصًا سهلاً. كثير من المسيحيين السوريين في الشتات يواجهون تحديات مثل:

  • الاندماج الثقافي الصعب، خاصة في المجتمعات الغربية.
  • انهيار الرابط الاجتماعي بين العائلات والكنائس.
  • ضياع الهوية الجيلية بين الأهل والأبناء.

ومع ذلك… أصوات باقية في الداخل

مع سقوط النظام، برزت في الداخل السوري مبادرات جديدة يقودها شباب مسيحيون يرغبون بالبقاء، وبناء مستقبل مشترك مع بقية السوريين. في وادي النصارى، ظهرت مشاريع تعليمية وتنموية يقودها متطوعون. في حمص وطرطوس، أعيد ترميم كنائس بدعم مجتمعي. وفي القامشلي، يشارك شباب مسيحيون في المجالس المحلية ويطرحون رؤى للتعايش والمواطنة.

أحدهم قال:

“الهجرة حل فردي، أما البقاء فهو مشروع جماعي. لسنا هنا لأننا عالقون، بل لأننا نريد أن نكون شركاء في كتابة الصفحة الجديدة لسوريا.”

الهجرة المسيحية من سوريا ليست مجرد هروب من الحرب، بل نتيجة تراكمات من الخوف، والتهميش، والبحث عن حياة كريمة. وهي نزيف يهدد التعددية السورية في الصميم. مستقبل المسيحيين في سوريا مرهون بتحقيق بيئة آمنة، ودولة مدنية تحترم الجميع، لا سلطة تتاجر بالأقليات حينًا وتتركها لمصيرها حينًا آخر.

أضف تعليق