كتب الصديق الأستاذ مالك داغستاني مقالًا بعنوان “طائفيون بربطات عنق”، كشف فيه عن وجوه الطائفية المتأنقة بربطات الحداثة ومكياج المصطلحات الناعمة. وجوه ترتدي ربطات عنق وتتكلم عن العلمانية والتمدن، لكن شهيقها وزفيرها مذهبي، ومفرداتها – مهما تزوقت – لا تستطيع أن تُخفي نتانة الطائفية المختبئة تحت القميص المكوي.

وما دفعني للكتابة، هو النسخة شعبية من أولئك “الطائفيين”، لا يرتدون ربطات عنق بل طرابيش. يرفعون شعار “الدين لله والوطن للجميع”، ويُكثرون من القول بـ”الوحدة الوطنية”، بينما يتعاملون مع الطوائف الأخرى كما لو أنها ضيوف طارئون على “أملاكهم العقارية”.

هؤلاء الطائفيون الشعبيون، يبيعون اللبن والخبز والسجائر، ويشترون الولاء المذهبي بسعر القرب من الضريح، أو بعدد مرات الشتم للطائفة الأخرى. هم لا يعرفون شيئًا عن العلمانية، لكنهم يعرفون جيدًا أن ابن طائفتهم – ولو كان فاسدًا – أرحم من “الغريب”، حتى لو كان ملاكًا بأجنحة من نور.

وفي المقابل، هناك الطائفيون النخبويون، أولئك الذين يحدثونك عن الدولة المدنية، ويكتبون في الصحف عن ضرورة تفكيك الخطاب الطائفي، بينما يمارسون التطييف الناعم في التوظيف، في العلاقات العامة، في توزيع فرص الظهور الإعلامي.

بعضهم يضع صورة غيفارا على جدار مكتبه، ويرتدي سوار فلسطين، لكنه حين يتحدث عن مجازر الطوائف الأخرى يتلعثم، وحين تذكره بمجازر طائفته يتحول إلى مؤرخ دفاع مدني.

هؤلاء الطائفيون يتقنون رياضة القفز فوق الحقائق، ويعانون من عمى الألوان حين تكون الدماء بلونٍ غير لونهم. إن قُتِل طفل من طائفتهم، صار العالم ظالماً؛ وإن قُتل ألف من طائفة أخرى، فالخبر بحاجة إلى تدقيق وتحقق ومراجعة أرشيف.

الطائفية اليوم لم تعد فقط طلقات رصاص أو مذابح جماعية، بل أصبحت آلية صامتة تفرز المجتمع كما تُفرز آلات الغربلة الحنطة عن الزؤان. تسكن في التفاصيل، وتندس في المجاملات، وتلبس أحيانًا زيَّ الضحية، لتخفي دورها التاريخي كجلاد.

وفي بلادنا، تتحول الطوائف إلى شركات مساهمة، ولكل شركة زعيم، ولكل زعيم ناطق رسمي، ولكل ناطق رسمي جوقة من المصفقين، ولكل جوقة حصة من الغنائم. أما المواطن، فهو مستهلك في هذا السوق، عليه أن يشتري هويته الفرعية ليثبت أحقيته بالعيش.

حتى الحب في بلاد الطوائف بات بحاجة إلى تصريح من المرجعية، والزواج صار مشروعًا سياسيًا صغيرًا يتطلب دراسة أمنية وموافقة حزبية. نخب تحاضر في الحريات صباحًا، وتوزّع شهادات الوطنية مساءً، بناءً على الانتماء الطائفي.

في الحروب، يختبئ الطائفي خلف الشعارات الكبرى: مقاومة، تحرير، سيادة. وفي السلم، يُخفي طائفيته خلف دعوات للمصالحة والتسامح، لكنك إن اقتربت من قلبه، وجدت عليه وشمًا قديمًا باسم الطائفة.

الطرابيش والربطات هما وجهان لعملة واحدة، عملة اسمها “الخوف من الآخر”. وقد أتقن الطائفيون – من النخبة والعامة – تحويل هذا الخوف إلى سلطة، وإلى سلاح، وإلى مهنة.

الحل؟ ليس بخلع الطرابيش ولا بفكّ الربطات، بل بخلع القلوب المريضة التي تنبض بكراهية الآخر. الحل بالاعتراف، لا بالإنكار. بالمواجهة، لا بالتبرير. بتسمية الأشياء بأسمائها، لا بتزيينها بأسماء مستعارة.

فالطائفي مهما لبس، ومهما تأنق، ومهما ادّعى الموضوعية، يظل طائفيًا إن كان ميزانه الأخلاقي يُفرّق بين القاتل والضحية بحسب الهوية. لا فرق إن لبس طربوشًا أو ربطة عنق، ما دام رأسه ممتلئًا بالكراهية.

أضف تعليق