لم يكن النوع البوليسي من الروايات يومًا ما ضمن الأنواع الأدبية المفضلة لدي. لطالما اعتقدت أن هذا النوع يعتمد أكثر على الأحداث السريعة والعقد الدرامية على حساب العمق الفكري والجمالي. لكن رواية “غريب في السوربون” للكاتب العراقي رسلي المالكي غيرت هذه القناعة تمامًا، إذ جمعت بين التشويق والغموض من جهة، وبين الغوص في الأبعاد الثقافية والتاريخية من جهة أخرى.

تنقل بين الأزمان والأماكن

ما يميز هذه الرواية بشكل فريد هو قدرتها على التنقل برشاقة بين الأزمان والأماكن. من أزقة باريس العريقة إلى قلب بغداد، ومن هناك إلى صحراء الأردن الواسعة، يصحبنا الكاتب في رحلة مذهلة مليئة بالتفاصيل الحية التي تجعل القارئ يشعر وكأنه يعبر الزمن والمكان بواقعية مدهشة. هذا التنقل لا يُشعر القارئ بالارتباك، بل يضفي عمقًا وسحرًا على القصة.

سرد متوازٍ: قصتان في خطين متوازيين

اعتمد المالكي أسلوب السرد المتوازي، حيث تتقاطع قصتان تسيران على خطين مختلفين ولكنهما مرتبطتان بطريقة مثيرة ومشوقة. تبدأ القصة الأولى في عام 2014 مع رجل الأعمال اليهودي “ناحام زائيفي”، الذي يكتشف سرًا تاريخيًا محفورًا على أثر بابلي قديم. أما القصة الثانية، فتبدأ في عام 2022 مع البروفيسور ميشيل ليون، الذي يعكف على فك شفرات رقيم غامض في جامعة السوربون.

على الرغم من أن القصتين منفصلتان في البداية، إلا أن القارئ يدرك تدريجيًا الترابط العميق بينهما، ما يجعل كل صفحة تحمل لغزًا جديدًا وإجابة غير متوقعة.

الرشاقة في السرد والبناء

الرواية ليست مجرد تسلسل أحداث تقليدي، بل هي متقنة البناء. المالكي يُتقن فن التنقل بين الأزمنة دون أن يُثقل على القارئ بالتفاصيل التاريخية المعقدة. بدلاً من ذلك، يُدمج الخلفيات التاريخية والدينية بسلاسة في نسيج الحكاية، مما يضفي عليها بعدًا جديدًا ويجعلها جذابة ليس فقط لمحبي الروايات البوليسية، بل أيضًا لمحبي الأدب العميق.

الأماكن: أبطالٌ بحد ذاتها

في “غريب في السوربون”, تلعب الأماكن دورًا لا يقل أهمية عن الشخصيات. وصف باريس، بتفاصيلها الثقافية والأكاديمية، يضع القارئ في أروقة جامعة السوربون، بينما يعيد بغداد، بتاريخها العريق وصراعاتها المعاصرة، إلى ذاكرة القارئ وكأنها تنبض بالحياة من جديد. أما الأردن، فهو بوابة الأسرار، حيث الرمال تخفي الكثير مما ينتظر الكشف عنه.

لماذا تختلف هذه الرواية؟

ما يجعل “غريب في السوربون” مختلفة ليس فقط حبكتها المحكمة، بل قدرتها على مخاطبة قضايا أعمق تتعلق بالهوية، والصراع، والتاريخ. الرواية ليست مجرد رحلة بوليسية لحل لغز، بل هي تأمل في الماضي وتأثيره على الحاضر. إنها دعوة للقارئ للتفكير في معنى الحقيقة، والبحث عن جذور الصراعات التي ما زالت تُلقي بظلالها على عالمنا.

خاتمة

“غريب في السوربون” ليست مجرد رواية بوليسية. هي عمل أدبي يفتح نافذة على التاريخ والثقافة والإنسانية. إنها تُبرهن أن الأدب البوليسي يمكن أن يكون أكثر من مجرد لغز يُحل، بل يمكن أن يكون بوابة لفهم أعمق لعوالم الماضي والحاضر. ربما لم أكن من عشاق هذا النوع الأدبي من قبل، لكن هذه الرواية جعلتني أعيد النظر.

أضف تعليق