في زاوية مظلمة من عقول البعض، يوجد كهف هادئ. كهف لا تصله صرخات المظلومين، ولا تصل إليه روائح الفساد المستشري. إنه الكهف الذي يهربون إليه كلما اشتدت الأزمات، حيث تُطفأ الأضواء، وتسكت الأصوات، ويُغلق الكهف بصخرة ضخمة منعاً لعبور أي شيء إلى الداخل، ويبررون لأنفسهم هذا الاغلاق والعتمة والسكون: “أنا مجرد شخص بسيط… السياسة ليست لي!”
لكن لنكن صادقين، هل اللامبالاة خيار بريء؟ أم أنها الحيلة الكبرى للهروب من مواجهة الواقع؟
هذا المقال ليس للهجوم على أولئك الذين يختارون العيش في هذا الكهف، بل محاولة لفهم كيف نشأ هذا الكهف ومن صنعه ومن يبقيه مفتوحاً ومن يغلقه!
أعذار ذهبية للانسحاب
الدخول إلى كهف اللامبالاة يتطلب أولاً تبريرًا منطقيًا. إليك مجموعة الأعذار الأكثر شيوعًا:
لا أحد يسمع صوتي: هذا المبرر يعطي إحساسًا بالراحة، وكأن الحل الوحيد هو الصمت، فالمواطن البسيط يرى أن صوته مجرد همس في بحر ضجيج القرارات السياسية الكبرى.
كلهم فاسدون: الجملة التي أصبحت حجةً جاهزة للتنصل من أي مسؤولية. لماذا نكترث إذا كان الجميع سيئًا؟ ولماذا نحاول إذا كان التغيير مستحيلًا؟!
أنا لدي مسؤولياتي الخاصة: من المهم بالطبع التركيز على الأولويات، مثل العمل، والأسرة، وأحيانًا السهر حتى منتصف الليل لمتابعة أحدث برامج المواهب. السياسة؟ هذا شأن الكبار!
طقوس العيش في الكهف
للمواطن الذي يختار الكهف طقوس يومية تضمن راحته:
التجاهل الانتقائي للأخبار: يتجنب الأخبار التي تتحدث عن المآسي أو القرارات المصيرية، ويفضل برامج الطبخ أو مراجعات الأجهزة المنزلية.
الهروب من النقاشات الجدية: يتقن فن تغيير الموضوع بمجرد أن يبدأ الحديث عن الفساد أو الظلم. الجملة المفضلة: “دعنا لا نناقش السياسة، إنها لا تجلب إلا الصداع!”
وهم النجاة الفردية: الإيمان بأن الابتعاد عن السياسة سيحميه من تبعاتها. لكن هل يمكن لأي فرد أن ينجو في سفينة تغرق بأكملها؟
عندما يتحول الكهف إلى سجن
العيش في هذا الكهف ليس مجانيًا، بل يأتي بثمن باهظ:
تفاقم الظلم والفساد: عندما يختار المواطنون الصمت، يفتحون الباب أمام استغلال السلطة بدون أي رقابة.
التخلي عن المستقبل: الكهف لا يحمي أحدًا، بل يترك الجميع عرضة للقرارات التي تُتخذ نيابة عنهم، دون أي مساهمة أو مقاومة.
ضياع الإحساس بالمسؤولية: يتحول المواطن من كائن فاعل في المجتمع إلى متفرج، يلوم القدر أو الآخرين على كل شيء، لكنه لا يرى نفسه جزءًا من المشكلة.
الخروج من الكهف: مهمة ممكنة
الخروج من هذا الكهف ليس سهلًا، لكنه ضروري. الخطوة الأولى هي إدراك أن السياسة ليست اختيارًا، بل حقيقة يومية تؤثر على كل تفاصيل حياتنا، من الأسعار إلى التعليم والصحة. الخطوة الثانية هي كسر حاجز الصمت والانخراط في العمل الجماعي، حتى لو كان ذلك عبر أبسط الوسائل، مثل التصويت أو دعم المبادرات المحلية.
السياسة مسؤولية الجميع
السياسة ليست لعبة النخب، بل هي كل قرار يؤثر على حياة الناس. اختيار العيش في كهف اللامبالاة يعني التخلي عن هذه المسؤولية، وترك الأمور للصدفة أو للآخرين. الكهف يبدو مريحًا وآمنًا، لكنه في الحقيقة مجرد سجن بُني بأعذار واهية.
لذا، قبل أن تغلق باب كهفك، تذكر أنك لست مجرد متفرج، بل جزء من القصة. هل تريد أن تكون بطلًا فيها، أم مجرد شخص يعيش في الظل؟
