في عالمنا العربي، يبدو أن التعايش السلمي أصبح رياضة منقرضة، وظهرت مكانها رياضات أكثر شيوعًا: التكفير، التخوين، ونشر الكراهية. اليوم، إذا أردت أن تشعر بالقوة والنفوذ، كل ما عليك فعله هو تكفير جارك أو تخوين زميلك في العمل. وهكذا، في ظل غياب أي تقدم حقيقي، يتحول الخطاب الاجتماعي إلى ساحة للتناحر، حيث يصبح الجميع في حالة حرب كلامية دائمة.
تكفير الآخر: لا خلاف، أنت في النار!
منذ زمن طويل ونحن نرى كيف تُستخدم كلمة “كافر” بأسلوب ساحر لجعل أي شخص لا يعجبنا جزءًا من جهنم، وبشكل فوري. يختلف أحدهم معنا في رأي ديني؟ كافر. يتجرأ على طرح وجهة نظر سياسية مختلفة؟ كافر بنظامنا العظيم.
في بعض الدول العربية، يكفي أن تقول إنك لا توافق على قانون أو إجراء حكومي، ليجدك البعض فورًا على قوائم انتظار الحرق الأبدي.
ففي كل زاوية من زوايا الشرق العربي، يتم إلقاء تهم التكفير وكأنها جزء من الميراث الثقافي. في سوريا، قد تُكفّر إن لم توافق على “الحاكم الخالد”، وفي مصر، إن لم تدعم القرار الحكومي الأخير، تجد نفسك موصوفًا بالكافر أو العميل. حتى في اليمن، بين كل قذيفة وقذيفة، يتم تبادل الاتهامات بالتكفير بين الأطراف المتنازعة، كأن لا مجال للنقاش إلا عبر “الكفر”.
تخوين الآخر: أنت ضدي؟ إذن أنت عميل!
وبما أن التكفير ليس كافيًا أحيانًا، تأتي التهمة الأكبر: التخوين. في الشرق العربي، التخوين هو الوسيلة المثلى للقضاء على أي معارضة. هل لديك رأي مختلف عن الحاكم أو الحزب؟ بالتأكيد، أنت عميل خائن تعمل لحساب قوى خارجية. لم تعد مجرد معارض، بل أصبحت متورطًا في مؤامرة كونية ضد الوطن.
خذ لبنان على سبيل المثال، حيث يمكن أن يتحول أي نقاش سياسي إلى حوار حول “من يعمل مع إسرائيل؟” أو “من يتم تمويله من الخارج؟”. وفي سوريا، إذا كنت تتنفس بشكل مختلف عن رغبة النظام، فأنت خائن وعميل، وقد تكون متهمًا بالعمل لصالح 10 دول في وقت واحد.
نشر الكراهية: إذا لم تكن معي، فأنت عدوي!
في ظل هذه الأجواء المشحونة، يبدو أن أسهل شيء يمكن القيام به هو نشر الكراهية بين الناس. هل لديك رأي مخالف؟ إذن أنت العدو. في بعض الدول العربية، لا يُسمح بأي اختلاف، مهما كان طفيفًا. فالعالم يُختصر في “أبيض” و”أسود”، ولا مجال لأي لون آخر.
تجول في منصات التواصل الاجتماعي وسترى العجب. بين كل منشور ومنشور تجد من يُشعل الفتن ويحث على الكراهية، فتارة باسم الدين، وتارة باسم القومية، وتارة باسم السياسة. كل فريق يعتقد أنه الأحق بالحكم، وأن الآخرين مجرد خونة أو كفار يستحقون الإقصاء أو حتى العقاب. من مصر إلى العراق، ومن سوريا إلى لبنان، تنتشر رسائل الكراهية كما تنتشر الشائعات في سوق مزدحم.
الكراهية حلأ
في عالمنا العربي، حيث يعلو صوت التكفير فوق صوت العقل، وإذا لم ينجح التكفير في إقناعك بخيانة الآخر، فإن الحل التالي جاهز وسهل: التخوين. وإن لم يُفلح هذا ولا ذاك، فلا تقلق، لديك دائمًا الخيار الثالث: خطاب الكراهية الشامل.
منذ الصغر، نتعلم أنه إذا خالفك أحدهم في الرأي، فإن أول الحلول هو تكفيره. نعم، قبل أن تسأله عن رأيه أو تفتح أي مجال للنقاش، فقط أطلق عليه لقب “كافر”، وهكذا تكون قد أغلقت الباب أمام أي محاولة للحوار. وإن تجرأ وأصر على موقفه، فلن تجد مشكلة في تخوينه: فهو بالتأكيد “عميل” لقوى خارجية تعمل في الخفاء.
في الواقع، قد تكتشف أن خطاب الكراهية هو الأسهل والأكثر رواجًا في منطقتنا. إذا لم ينفع التكفير، وإذا فشل التخوين، فلا مشكلة، خطاب الكراهية متاح للجميع!
مواجهة الكراهية: بين الحلم والواقع
لكن السؤال الذي يبقى هو: كيف يمكننا مواجهة هذا المد الهائل من الكراهية والتخوين؟ في الواقع، الحل قد يكون بسيطًا جدًا، لكنه يحتاج إلى الشجاعة. علينا أن نتوقف عن استهلاك هذا الخطاب، أن نرفض أن نكون جزءًا من اللعبة، وأن ندرك أن التعايش والاختلاف جزء من الحياة. لكن، في عالم لا يكف عن تصنيف الناس، قد يبدو هذا أشبه بالحلم البعيد المنال.
فالحل ليس فقط في المؤسسات التعليمية أو الإعلامية، بل يبدأ من الفرد نفسه. عندما نقرر أن نرفض خطاب الكراهية ونتقبّل الآخر حتى لو اختلفنا معه، نكون قد بدأنا أول خطوة نحو تغيير حقيقي. قد لا يحدث هذا التغيير في ليلة وضحاها، لكن مجرد التخلي عن التكفير والتخوين هو بداية جيدة.
في الختام
إذا أردنا مجتمعات قائمة على الحوار والتسامح، علينا أن ندفن سيوف التكفير والخيانة التي نلوح بها يوميًا. لأن العالم ليس أبيض وأسود فقط، بل مليء بألوان الاختلاف التي يجب أن نتقبلها. لنبتعد عن هذه الهواية القومية السامة التي حولتنا إلى مجتمع منقسم، ونعود إلى ثقافة الحوار والتعايش.
