في هذا العالم المعاصر الذي ينشغل بتقنيات الذكاء الصناعي، الطاقة المتجددة، واستكشاف الفضاء، يبدو أن إسرائيل وجدت شغفًا من نوع آخر: فن تدمير غزة. نعم، فن! لأن تدمير مدينة لا يتطلب فقط القنابل والصواريخ، بل يتطلب أيضًا لمسة فنية خاصة، وإسرائيل تتقن هذه اللمسة جيدًا.
إسرائيل تقدم نفسها للعالم على أنها “الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط”، وكأن كل ديمقراطية في العالم لديها فقرة خاصة في دستورها عن كيفية سحق المنازل فوق رؤوس ساكنيها. كلما شاهدت صور الدمار في غزة، قد تتساءل: “هل هذا جزء من مخطط تحديث البنية التحتية، أم أن هناك مشروعًا لإعادة هندسة الحطام؟”
لكن بالطبع، لكل حرب قصة تغليف إعلامية جميلة. إسرائيل، في كل مرة تقصف غزة، تبدأ بحملة دعائية تخبرنا أن الهدف هو “الدفاع عن النفس”. يبدو أن فكرة الدفاع لدى إسرائيل تعني تحويل الأحياء السكنية إلى ساحات ركام، وتدمير المدارس والمستشفيات هو جزء من “الحفاظ على الأمن”. حتى شجرة الزيتون البريئة أصبحت هدفًا لأن “الأغصان قد تشكل تهديدًا وجوديًا”.

أما المشهد الأكثر كوميديا، فهو عندما تستدعي إسرائيل مصطلحات مثل “ضربات دقيقة” و”جراحية”، وكأن القنابل والصواريخ التي تسقط على الأحياء المكتظة بالسكان تأتي مع زر “إيقاف عند المدخل”. الحقيقة أن “الدقة” في هذا السياق تبدو مثلما قد يصف أحدهم فيلًا يحاول العبور في محل خزف دون أن يحطم أي شيء!
وإذا كنت تفكر أن إسرائيل قد تشعر ببعض الخجل أو تأنيب الضمير، فأنت مخطئ تمامًا. بالعكس، بعد كل موجة تدمير، يخرج بعض المتحدثين باسمها ليشرحوا كيف أن العملية كانت “ضرورية”، وكيف أن “حماس” هي من تختبئ وراء الأطفال والمدنيين. وهنا، تبرز الموهبة الحقيقية: تحويل الضحية إلى الجاني، وتجعل من تدمير مدينة كاملة يبدو كأنه فعل بطولي في وجه “الإرهاب”.
في النهاية، عندما ترى مشاهد الدمار في غزة، وتسأل نفسك: “إلى متى سيستمر هذا الجنون؟” يأتيك الجواب سريعًا من إسرائيل: “حتى ننتهي من كتابة كتاب تاريخنا الحديث… على أنقاض الفلسطينيين”.
